تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
لأجله موقوف على كونه أصلح في نظام الكل ، لا على كونه أصلح للمكلفين وحده ، كما أشرنا إلى ذلك في القاعدة السادسة أيضاً وأنّى لنا إحراز ذلك ؟ وعليه فلا سبيل لنا إلى الجزم بوجوب التكليف المزبور على الله سبحانه ، فتأمل جيداً « 1 » . 5 - ما ذكره جماعة من أصحابنا المتكلّمين من : أنّ الله تعالى جعل في الإنسان شهوةً إلى القبائح ، ونفوراً عن الحسن ، فلو لم يكلفه ولم يوعده المؤاخدة على الإخلال بالواجب وفعل القبيح لكل مغرياً بالقبيح ، ولا شك في قبح الإغراء بالقبيح ، فيكون التكليف واجباً ، وهذا هو مراد المحقق الطوسي ( قدس سره ) من عبارته في التجريد : وواجب لزجره عن القبائح . أقول : وهذا أمتن الوجوه وأحسنها ، ألا ترى أنّه إذا فرض إلغاء الحكومات الفعلية المتعارفة ، أو رفع قانون المؤاخذة والسجن من بين الناس لم يبق للسوق نظام من ساعة . نعم ، لقائلٍ أن يقول : إنّ العلم بقبح القبائح وإن لم يكن كالتكليف رادعاً عن تركها ، لكنّه يكفي لمنع نسبة الإغراء إلى الله تعالى ، فإنه تعالى كما جعل في العبد شهوة إلى القبائح كذلك جعل فيه العقل والعلم بالقبائح ، فارتكابه لها إنّما هو بسوء اختياره ، وهذا واضح ، إلّا أن يقال بالعلم الإجمالي بقبائح أخرى غير ما نعلمه تفصيلًا ، والاجتناب عنها موقوف على التكليف الشرعي ، كما قال تعالى :
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
، لكنّ لزوم البيان عليه في هذا الفرض إنّما هو بالنسبة إلى من يمتثل التكليف بعد وصول البيان ؛ إذ لا قبح في ترك إرشاد من لا يسترشد بالإرشاد ، كما لا يخفي . والإنصاف : أنّ جميع هذه الوجوه لا يفيد الجزم بوجوب التكليف عليه تعالى ، فلم يقبح منه لو لم يكلف عباده بشيء . نعم ، ما حكم به العقل يحكم به بالشرع لا محالة ، كما مرّ وجهه مفصّلًا « 2 » أضف إلى ذلك . وأقول : إنّ التأمل في وضع التشريع يعطي عدم وجوبه على الله تعالى ، وإلّا لزم إخلاله تعالى بفعل الواجب وهو باطل عقلًا واتفاقاً . بيان الملازمة : أنّ إيصال الأحكام إلى الناس تمّ على نحو المتعارف والأنبياء الكرام
هامش
( 1 ) - ولذا لم يصل دين الحق إلى أكثر الناس بالحجة المعتبرة ، ومعظم الناس في النبوّة من الجاهلين القاصرين ، كما مرّ في المقدّمة . ( 2 ) - ربّما يستدلّ على وجوب إنزال الدين لعدم امكان علم الإنسان بما يوجب كما لم الروحي والعدالة الاجتماعية في الحياة الحاضرة ، وربّما يستدلّ بأن الدين واجد لضمانية العمل ولمخالفته الهوى لأجل الاعتقاد بالمعاد ، عند معظم المكلّفين ولأجل الاعتقاد بالله تعالى عند جمع من الصلحاء . وأن فرض الإنسان قادر أعلى فهم ما يوجب سعادته في الدارين . أقول : كلاهما محسن للتكليف الشرعي بلا تردّد .