أقول : الكبرى ممنوعة كما قلنا آنفاً ، وأمّا الصغرى فإتمامها محتاج إلى ضمّ مقدمة أخرى قائلة بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد ، وإلى مقدمة قائلة بتأثير هذه الملاكات في الأحكام العقلية ، وكلتا المقدمتين ثابتة . أمّا الأولى فقد مرّ بحثها في القاعدة الرابعة . وأمّا الثانية فيدل عليها قوله تعالى :
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
وغيره . بل عن المعتزلة : دعوى الضرورة عليها « 1 » ، ولكن مع ذلك الصغرى أخص من المدّعى ؛ إذ لطفية جميع الأحكام - حتى في باب المعاملات - للأحكام العقلية غير واضحة ، كما أشرنا إليه سابقاً أيضاً .
3 - ما ذكره هو أيضاً من : أنّه لولا التكليف للزم نقض الغرض ، وهو قبيح .
وقد تقدم تقريبه في الوجه الثالث من الوجوه الدالة على حسن التكليف .
وجوابه : أنّ كون الغرض من خلق الإنسان هو الكمال الموقوف على التكاليف غير ثابت عقلًا .
4 - ما أفاده سيّدنا الأستاذ المحقق دام ظلّه ، قال : تكليف عامة البشر واجب على الله سبحانه ، وهذا الحكم قطعي قد ثبت بالبراهين الصحيحة والأدلة العقلية الواضحة ، فإنّهم محتاجون إلى التكليف في طريق تكاملهم وحصولهم على السعادة الكبرى والتجارة الرابحة ، فإذا لم يكلفهم الله سبحانه : فإمّا أن يكون ذلك لعدم علمه بحاجتهم إلى التكليف ، وهذا جهل يتنزّه عنه الحق تعالى .
وإمّا لأنّ الله أراد حجبهم عن الوصول إلى كمالاتهم ، وهذا بخل يستحيل على الجواد المطلق .
وإمّا لأنّه أراد تكليفهم فلم يمكنه ذلك ، وهو عجز يمتنع على القادر المطلق ، فاذن لا بد من تكليف البشر « 2 » .
أقول : قد مرّ في مبحث حكمته في الجزء الأول : أنّ الجود واجب عليه فلا يكون الدليل خطابياً . نعم ، مفاد الدليل اختصاص وجوب التكليف بمن يسلك طريق التكامل بعد الإرادة ، لا عمومه لمطلق البشر ، إذ لا بخل في ترك هداية من لا يقبلها ، كما لا يخفى .
هذا ، ويرد عليه : أنّه - دام ظلّه العالي - إن أراد بالسعادة والتجارة الثواب ودخول الجنة فقد ذكرنا : أنّه لا يثبت حسن التكليف فضلًا عن وجوبه عليه تعالى .
وأن أراد به تكامل نفس المكلف وارتقاءها المعنوي ففيه : أنّ إيجاب التكليف عليه تعالى
هامش
( 1 ) - نقلها العلامة في شرح التجريد ، والظاهر ارتضاؤه إيّاها .
( 2 ) - ذكره في كتابه البيان في تفسير القرآن .