تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
على نظام البدن ، والمنافاة بينهما ظاهرة ، ولا يمكن رفعها إلا بالأمر والنهي الشرعيين ضبظاً للقوة الشهوية عن الإفراط والتفريط ، وهذا الضبط لا يتيسّر للعقول وحدها ، فلو لم يكلف الشارع لأضرّت الشهوية بالعاقلة ، ومنعت المكلف من بلوغه إلى كماله الحقيقي الذي هو الغرض من وجوده ، ونقض الغرض قبيح ، فكان التكليف واجباً على الله تعالى ، فضلًا عن حسنه . الرابع : ما هو الصحيح عندي ، وهو : أنّ من المحسوس احتياج الإنسان في مسير حياته ونظام معاشه إلى أبناء نوعه ، وليس هو مثل سائر الحيوانات في عدم الافتقار إلى أمثاله ، فالتعاضد والتعامل ممّا لا بد منه في استقامة عيشه ، وهذا معنى كون الإنسان مدنياً بالطبع ، فإنّ التمدّن عبارة عن الاجتماع المتسلسل المرتبط في شؤون الحياة . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى : أنّه مجمع للقوى المختلفة كالعاقلة ، والشهوية ، والغضبية ، والوهمية ، كما فصّل في علم الأخلاق . وإن شئت فقل إنّه واجد للقوى الروحية والمادّية ، ومبتلى بالتمايلات المتنوعة العريضة والطويلة . وهذه القوى متصادمة بينها في الحقل الانفرادي ، فضلًا عمّا إذا واجهت الآخرين في الميادين الاجتماعية بآرائهم المتشتّتة المتضادة التي شأن كل منها جرّ النار إلى قرصها ، ومع هذه الحالة لا يمكن تمشّي التعاون المجري للنظام المدني على حد العدل والإنصاف ، ضرورة عجز العقل عن تعديل المشتهيات وتحديد القوى ، فيلتمس ذلك وضع قانون ناظر إلى جهتين : إحداهما : تحديد القوى النفسية في من الإفراط والتفريط ، أو تحديد آثارها من الوصفين المذكورين على الأقل . ونعتبر عنه بالعدالة الأخلاقية . ثانيتهما : تعديل نظام المعاملات والارتباطات والعلاقات وتأسيسها على بناء عادل عام . ويدخل في الأول : المعارف والأخلاقيات والعبادات ، على أن حسن الأوليتين ظاهر في نفسهما أيضاً ، فإنّ التحلّي بهما كمال للنفس عند العقل . ويدخل في الثاني المعاملات ، فيكون التكليف الشرعي حسناً جداً ، ولعلّ هذا التقرير هو مراد الحكماء في إثبات هذا الحكم ، كما حكي عنهم في الكتب الكلامية . وإليه ينظر كلام اللاهيجي المتقدّم . ثم إن هذا الحكم لا يتوقف على عدم إمكان تشريع الناس أنفسهم مثل هذه التكاليف الشرعية ، ضرورة عدم توقف حسن الحسن على انحصار نوعه في فرده ، نعم ، يتوقف عليه وجوب التكليف المذكور على الشارع ، فإنّه إذا أمكن للناس جعل مثل هذا القانون فلا يحكم العقل بوجوبه على الله تعالى ، ولذا نحتاج لإثبات وجوبه عليه تعالى إلى بيان آخر . فإن قلت : إذا كان التكليف لأجل تكميل الإنسان في حياته الانفرادية ونظامه الاجتماعي