والسنّة والعلم الحديث على خلافه . نعم ، مجرد قوله تعالى :
أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
لا يدل على تكليفها ، لكّنه إذا انضمّ إليه قوله تعالى في سورة فاطر :
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
، وقوله تعالى :
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ
« 1 » ينبج إنّ لكل نوع من أنواع الحيوانات نذيراً فتكون مكلفة بتكاليف . وهذا ممّا لا دافع له إلّا دعوى انصراف لفظ « الأمة » في الآيتين إلى الناس ، ويؤيد هذا الاستدلال : ما في المجمع « 2 » عن أبي هريرة أنّه قال : يحشر الله الخلق يوم القيامة البهائم والدوابّ والطير وكل شيء ، فيبلغ من عدل الله يومئذٍ أن يأخذ للجماء من القرناء ، ثم يقول : كوني تراباً فلذلك يقول الكافر : يا ليتني كنت تراباً .
لكنّ السند ضعيف ، وأبو هريرة هذا كذّاب مشهور ، على أنّه لم يسند قوله إلى النبي الأكرم ( ص ) .
وعن أبي ذرّ قال : بينا أنا عند رسول الله إذ انتطحت عنزان ، فقال النبي ( ص ) : « أتدرون فيما انتطحا ؟ » ، فقالوا : لا ندري لكن الله يدري ، وسيقضي بينهما .
وهذا أيضاً لإرساله ضعيف .
قال العلامة المجلسي ( رحمه الله ) في السماء والعالم من بحاره « 3 » : وقد لاح من ظواهر كثير من الآيات والأخبار أنّ لها - أي للحيوانات - شعوراً ومعرفة ، بل لهم تكاليف يعاقبون على ترك بعضها في الدنيا ، وعلى ترك بعضها في الآخرة ، لا على الدوام ، بل في مدة يحصل فيها التقاصّ بين مظلومها وظالمها . . . إلى آخره .
وعن الكافي : عن أمير المؤمنين ( ع ) : أنّه ( ع ) عدّ من الذنب الذي لا يغفر نطحة ما بين الشاة القرناء إلى الشاة الجماء .
فتحصّل من جميع ما تقدم : أنّ قوله تعالى :
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
، وقوله :
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
يدلّان على حشر الحيوانات ، والأول بصدره وبانضمام ما عرفت يدل على تكليفهم - لولا دعوى الانصراف المذكور - فنفهم أنّ الحشر لأجل الجزاء والانتقام .
هامش
( 1 ) - يونس / 46 .
( 2 ) - مجمع البيان 1 / 348 .
( 3 ) - البحار : كتاب السماء والعالم / 546 .