تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
نعم ، لو كان طالب المعرفة غافلًا عن هذه التوسعة أو ملتفتاً إليها ، لكنّه لم يطمئن بصحتها ؛ لعدم حجية مثل هذا الحديث في حق مثله ، وجب عليه النظر بحكم فطرته . فتحصّل : أنّ الموضوع للحكم الفطري - وهوالضرر المحتمل - تابع للحكم الشرعي في تحديده ، إلا أنّ الحكم العقلي - هو وجوب شكر المنعم - لا يتبع الحكم الشرعي المذكور في حدوثه وبقائه ، ضرورة عدم إمكان التخصيص في الأحكام العقلية ، ولا شك أنّ ترك شكر المنعم قبيح وإن لم يطلبه المنعم من المنعم عليه . نعم ، لونهاه عن شكر خاص لمبغوضيته عنده لقبح العقل إتيانه من المنعم عليه فإنّه إساءة لا إحسان وشكر للمنعم ، والمفروض أنّ الشارع ما أبغض معرفته أصلًا ، وإنّما لم يوجبها على غير البالغين . والعقل يلزم المميّژ الملتف على لزوم النظر إلى معرفة المنعم أداءً لشكر نعمائه ، لكن لو ترك الشخص المذكور النظر عمداً يستحق الذم ، ولا يستحق العقاب والخلود ، كما مرّ وجهه في أوائل الجزء الأول ، وإنّما المصحّح للعقاب هو مخالفة الحكم الفطري دون العقلي . هذا ، ولكنّه لو تمّ لجرى في الفرعيات أيضاً ولا سيما بعد كون عبادات الصبي شرعية ، وأنّه مكلف بالمستحبات ، بل لازمه وجوب المستحبات على البالغين ، فإنّ العبادة وامتثال أوامر المولى المنعم شكر له ، وهو واجب على العبد المنعم عليه . هذا ، مع أنّا ذكرنا فيما تقدم عدم استلزام وجوب الشكر لوجوب النظر ، فافهم المقام . وممّا يدل على ما ذكرنا من عدم وجوب النظر والمعرفة على غير البالغ : الروايات الصحاح الدالة على تكليف الأطفال في القيامة الظاهرة في عدم تكليفهم في الدنيا ، وسيأتي الكلام حولها في بعض قواعد هذا المقصد إن شاء الله . فتحصّل من جميع ما مرّ : أنّ المكلف هو الحيّ العاقل القادر العالم البالغ . والشرط الأول عقلي فقط ، والأخير تعبّدي فقط ، وما توسّط بينهما عقلي ونقلي . والفاضل المقداد - في أوائل شرح الحادي عشر - خصّه بالإنسان ، فعرّفه بأنّه هو الإنسان الحيّ البالغ العالم . لكنّه غير صحيح ، فإنّ الجنّ أيضاً مكلفون ، قال الله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
وقال :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ . . .
إلى آخره ، وقال تعالى حكاية عن لسانهم :
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ،
والآيات في ذلك كثيرة بل ربما قيل بأنّ لهم رسلًا من الله تعالى ، مستدلًا بقوله تعالى :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ