ثم إنّ من المؤلفين من يدّعى بطلان تكليف الحيوانات بضرورة الشريعة وظواهر الآيات والروايات ، لكنّه تعسّف محض .
والتحقيق أن تكليف الحيوانات حسب شعورهم وأجسامهم ممكن ولكننا لا نجزم به ، وأما حشرها يوم القيامة فبعيد جداً ، إذ أنواعها كثيرة جداً وقيل أن أنواع الحشرات بمفردها ثلاثمأة ألف .
والمراد من حشر الحيوانات في الآتية المتقدمة لعلّ جمع الحيوانات الموجودة على الأرض قبل قيام الساعة نعرض لا نعلمه ، وليست الآية المذكورة بظاهرة فيما يقولون . والله العالم بأفعاله وأحكامه .
والحاصل : أنّ قيد الإنسان في المكلف غير مطابق للواقع ، وأنّ غير الإنسان أيضاً مكلف .
ثم إنّ هنا شرطاً آخر قيل باعتباره في أصل التكليف بالفرعيات زائداً على الشروط السابقة ، وهو الإسلام ، وأول من قال به - على ما أعلم - هو المحدث الحكيم الكاشاني ( رحمه الله ) ، ثم اختاره المحدّث الجليل البحراني وأصرّ عليه ، واستظهره من المحدّث الأمين الأسترآبادي أيضاً ، لكنّ عبارته لا تساعد ذلك « 1 » .
وعن الفاضل السبزواري في الذخيرة : أنّ تحقيق المقام من المشكلات .
أقول : لكنّ المنسوب إلى المشهور بل قيل : كاد أن يكون إجماعاً تكليف الكفّار بالفروع ، وأنّ الإسلام ليس شرطاً لنفس التكليف ، بل لصحة المكلف به في الجملة .
وأمّا العامة فعن بدائع الصنائع للكاشاني الحنفي « 2 » : الكفّار غير مخاطبين بشرائع هي عبادات عندنا . . . إلى آخره .
وعن المعني « 3 » : اختلفوا في خطاب الكافر بفروع الإسلام في حال كفره ، مع إجماعهم على أنّه لا يلزم قضاءها بعد إسلامه ، حكي عن أحمد في هذا روايتان .
وعن أصول الفقه الخفري « 4 » : اختلف الحنفية في هذه المسألة . . . ولم يقولوا بهذه الأقوال نقلًا عن أبي حنيفة ؛ لأنّه لم يحفظ عنه فيها قول ، وإنّما استخرجوها من فروع مذهبية « 5 » .
هذا ، والذي يظهر من صاحب الحدائق ( رحمه الله ) : أنّ القول بعدم تكليف الكفّار لم ينسب إلى أحد
هامش
( 1 ) - لاحظ الحدائق الناضرة 3 / 40 ، طبع جماعة المدرسين .
( 2 ) - 1 / 146 .
( 3 ) - المغني لابن قدامة 1 / 398 .
( 4 ) - / 103 .
( 5 ) - نقل هذه الأقوال بعض أفاضل العصر في تعليقته على الحدائق الناضرة المطبوعة حديثاً ، لاحظ آخر الجزء الثالث .