وأمّا الفرعيات الشرعية فقالوا : إن كان عليهما دليل قاطع فالمصيب فيها واحد ، وإن لم يكن عليها دليل قطعي فبعد استفراغ الوسع لا إثم عليه وإن أخطأ ، بلا خلاف إلا من بعض العامة ، ولكنّهم اختلفوا في التخطئة والتصويب .
فقيل ( كما عن القاضي والجبائي وجماعة من أهل الخلاف ) : لا حكم معيّن لله تعالى فيها ، بل حكمه تعالى تابع لنظر المجتهد وظنّه ، فما أدّى إليه ظنّه فهو حكم الله تعالى في حقه وحق مقلّديه ، فكل مجتهد مصيب !
وقيل : إنّ الله تعالى في كل مسألة حكماً معيناً ، أصابه المجتهد أم أخطأه ، وهذا هو مذهب الإمامية ، كما عن العلامة والشهيد الثاني ( قدس سره ) .
قال صاحب القوانين « 1 » : ثم القائلون بالتخطئة من العامة اختلفوا ، فقال بعضهم : إنّ الله لم ينصب دليلًا على ذلك الحكم المعيّن ، وهو بمنزلة الدفين فمن عثر عليه من باب الإنفاق فله أجران ، ومن لم يصب فله أجر واحد على اجتهاده .
وقال بعضهم : إنّه نصب عليه دليلًا ، فقيل : إنّه قطعي ، وقيل : إنّه ظنّي . . .
والقائلون بأنّه ظنّي اختلفوا ، فقيل : إنّه لم يكلف بإصابة ذلك الدليل ، لخفائه وغموضه . . . وقيل : إنّه مأمور بالطلب أولًا ، فإن أخطأ وغلب على ظنّه شيء آخر انقلب التكليف وسقط عنه الإثم .
أقول : جميع هذه الأقوال بإطلاقها مزيّفة ، والحق أنّ الأحكام بأسرها مخزونة عند الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) من طريق النبي الأكرم ( ص ) ، كما أشرنا إليه في القاعدة الثانية ، فبعضها وصل إلى الناس ولم يخالفوا فيه فكان متفقاً عليه بينهم ، وبعضها وصل ولكن لم يصبه الجميع ، بل أخذه جماعة وأخطأه الآخرون ، وهذا المختلف فيه ربّما يكون دليله قطعياً وربّما ظنّياً ، والمجتهد إنّما يكون مأموراً باستنباط الأحكام من أدلتها المعتبرة ، لا بإصابة الواقع فإنّه خارج عن قدرته ، فإذا استنبط الحكم من الأدلة فإن وافق الواقع فهو ، وإلا فالحكم باق بحاله ، المجتهد معذور ، مأمور بالعمل بهذا الحكم الظاهري غير المنافي للحكم الواقعي المخالف له ، كما قرّر وجهه في أصول الفقه تفصيلًا .
وأمّا الدليل على صحة ما ذهب إليه أصحابنا من التخطئة وجوه كما حرّروها في أصول الفقه : فمنها : إجماع أصحابنا الإمامية عليها .
ومنها : سيرة الصحابة على تخطئة بعضهم البعض ، وهي منقوله بالتواتر أو قريب منه .
هامش
( 1 ) - قوانين الأصول 2 / 210 .