أعني إيجاد شيء وعدمه في آن واحد ، فهو من التكليف بالمحال ، لا من التكليف المحال ، وليس للواجب جلّ وعلا شوق ورضا وبغض وكراهة نفسية ليكون الأمر كاشفاً عن شوقه ، والنهي حاكياً عن كراهته ، فيمتنع ؛ لعدم تعلق الحب والبغض بشيء واحد من حيثية واحدة ، ولا تتعلق الإرادة والكراهة التكوينيتان بالأحكام المذكورة لكي يقال بامتناع تعلقهما بشيء واحد ؛ وذلك لأنّ الأحكام اعتبارية محضة كما قلنا أولًا .
والتحقيق : أنّ ملاك الاستحالة هو تبعية أفعاله - تكوينية كانت أو تشريعية - للمصالح والمفاسد ، فأمره بشيء يدل على وجود مصلحة خالصة أو غالبة فيه ، ونهية يكشف عن مفسدة كذلك ، ومن الواضح امتناع اجتماع المصلحة والمفسدة كذلك في شيء واحد . ومنه ينبثق أنّ التكليف المحال لا يعقل على مسلك من أنكر تبعية أفعاله للأغراض من منكري الحسن والقبح العقليين .
إلا أن يقال : إنّ اعتبار وجوب شيء مثلًا اعتباراً جدّياً لا صورياً ينافي اعتبار حرمته كذلك تنافياً واضحاً ؛ ولا يمكن اجتماعهما أبداً ، فتحقق التكليف المحال غير موقوف على مسلك العدلية ، لكنّ المقام بعد محتاج إلى مزيد تأمل وتدبر .
وأمّا المكلّف به فيغتبر فيه :
أولًا : أن يكون في فعله مصلحة أو في تركه مفسدة ، وإلا كان تعلق الحكم به ترجيحاً بلا مرجح ، وتكليفه تعالى الناس به ، لغو ، تعالى عنه . نعم ، في الأوامر والنواهي الامتحانية لا يعتبر ذلك ، بل المعتبر فيها وجود المصلحة أو المفسدة في نفس الأمر أو النهي ، وإن خلّي عنهما متعلق الأمر والنهي المذكورين .
وثانياً : أن لا يكون بمحال ، بل ولا غير مقدور حين الامتثال ، فإنّه قبيح بلا خفاء ، والأشعريون حيث لا يلتزمون - لساناً - بالحسن والقبح العقليين يقولون « 1 » : تكليف ما لا يطاق جائز عندنا ! ويريدون به : ما لا يطاق عادة ، مثل تكليف الأعمى نقط المصاحف ، والزمن المشي إلى أقاصي البلاد ! بل عن شرح المقاصد : التكليف بالممتنع لذاته جائز ، بل واقع عند كثير من المحققين ! كتكليف أبي لهب بالإيمان بأنّه لا يؤمن ، ونقله عن إمام الحرمين والرازي أيضاً .
أقول : ظاهر الرازي في تفسيره الكبير في ذيل سورة أبي لهب : أنّ جواز التكليف بالممتنع الذاتي بل وقوعه مذهب جميع أهل السنّة ! !
لكنّ سنّة الله تعالى على عدمه ، كما قال في كتابه العزيز :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا
هامش
( 1 ) - لاحظ شرح المواقف 3 / 160 .