تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
الشارع فهو حسن : إمّا كشفاً وإنّا كما عليه أهل الحق ، وإمّا لمّاً وعلّةً كما عليه منكروا الأحكام العقلية ، وقد يعبّر عنه بالحكم العقلي بالمعنى الأعم ، وإنّما الكلام في حسن التكليف المذكور تفصيلًا ، وأنّ العقل هل يدرك حسنه مع قطع النظر عن فعل الشرع ، أو لا يدركه ؟ ويعبّر عنه في كلام بعضهم بالحكم العقلي بالمعنى الأخصّ . ويقع الكلام أيضاً في أنّه بعد حسنه هل يجب على الله الحكيم ، أو لا ؟ وقبل الدخول في هاتين الجهتين لا بد أولًا من تحقيق شروط التكليف ، والمكلف به ، والمكلف ( بالفتح ) . وأمّا بيان ما يعتبر في المكلّف - بالكسر - فغير لازم ، بعد ما مرّ من أنّ الله تعالى مستجمع لجميع الصفات الكمالية ، وأنّه مالك الموجودات الممكنة . نعم ، ما ذكره بعض المتكلمين من اعتبار علمه بقدر ما يستحق المكلّف - بالفتح - من الثواب والعقاب ، وقدرته على إيصال المستحق حقه غير صحيح ، بناءً على عدم حكومة العقل باستحقاق الممتثل للثواب ، كما يأتي بحثه في مبحث المعاد . وأمّا العقاب فاستحقاقه للعاصي وإن كان ثابتاً عقلًا - ولو في الجملة - غير أنّ العلم بمقداره والقدرة على إيصاله غير معتبرين في صحة التكليف وحسنه ولزومه .

شروط التكليف والمكلّف به والمكلّف :

أمّا التكليف فيعتبر فيه : أولًا : انتفاء المفسدة عنه ، أو مفسدة غالبة على مصلحته ، أو مصلحة المكلف به ، والظاهر أنّ تدريجية تشريع الأحكام الشرعية تتفرّع على هذا الأمر ، فإنّ الصلاة - مثلًا - كانت ناهية عن الفحشاء والمنكر في أول البعثة أيضاً ، غير الله تعالى لم يفرضها على الناس تسهيلًا عليهم ، وترغيباً لهم في قبول الإسلام ؛ إذ لو أوجب العبادات كلها دفعة واحدة لم يتحمّلها كثير منهم ولرفضوها ، وهو مفسدة عظيمة لهم لحرمانهم به من السعادة العظمى ، بل دخولهم النار الكبرى . وثانياً : أن يصل في وقت يتمكن المكلف من إتيان العمل ، ولا يكون وصوله بعد وقت العمل . وثالثاً : أن يكون ممكناً ، ضرورة عدم تحقق التكليف المحال ، كأن يأمر بشيء ثم ينهى عنه بعينه في زمان وحال واحد ، وهذا ظاهر . وإنّما الكلام في استحالة التكليف المذكور ، فإنّ الأحكام الخمسة بأسرها أمور انتزاعية عقلية ، ولا مانع من اعتبار الفعل وتركه على ذمة المكلف فينتزع العقل منه الوجوب والحرمة ، فإنّه بمكان من الإمكان . نعم ، لا يتمكن المكلف من امتثالهما خارجاً ؛ لاستحالة المكلف به ،