تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا
فأخبر أنّه لو منعهم اللطف في بعثة الرسل لكان لهم أن يسألوا بهذا السؤال ، ولا يكون لهم هذا السؤال ، إلا مع قبح إهلاكهم من دون البعثة ، ولا يقبح ذمّه ؛ لأنّ الذمّ حق مستحقّ على القبيح غير مختصٍّ بالمكلّف ، بخلاف العقاب المستحقّ للمكلّف ؛ ولذا لو بعث الإنسان غيره على فعل القبيح ففعله لم يسقط حق الباعث من الذم ، كما أنّ لإبليس ذم أهل النار وإن كان هو الباعث على المعاصي . انتهى كلامه . بل هذا - أي قبح العقاب من دون لطف - هو الذي نقله الفاضل التوني - كما في « مطارح الأنظار » - عن الأصحاب والمعتزلة . لكنّه عندي ضعيف جداً ؛ لأنّ منع اللطف لا يكون بمنزلة الأمر بالمعصية قطعاً ، والآتية الشريفة أجنبية عن محلّ الكلام بالكلية ، فإن العقاب من دون البيان وإرسال الرسول قبيح ضرورة ، وليس بشيء من اللطف ؛ لما مرّ من أنّه بعد البيان والتكليف ، ومنه انبثق بطلان الفرق والتفكيك بين استحقاق الذم والعقاب . وصفوة القول : إنّه لا دليل على وجوب اللطف وتحتّمه على الله الحكيم أصلًا ، وإنّ مجرّد اختيار العبد وتمكنه من المكلف به يصحح تنجز التكليف واستحقاق العقاب في فرض المخالفة ، من دون اشتراطه بمنح اللطف أصلًا . نعم ، لو أدخلنا الوعيد بالعقاب في اللطف فلا شك في قبح العقاب في جميع الموارد ، أي حتى في ما يكون العقل حاكماً فيه بالذم فقط دون العقاب على ما مرّ تفصيله في حديث الملازمة بين الحكم العقلي والشرعي ؛ وذلك لأنّ العقاب حينئذٍ بلا بيان . نعم ، يحسن العقاب المذكور في الموارد التي يحكم العقل به أيضاً زائداً على الذم ، ولعلّه مراد القوم . ثم إنّه يمكن أن يستدل على بطلان وجوب اللطف بجملة من الآيات الشريفة الدالة على اختصاص ألطافه تعالى الخاصة بطبقة خاصة ، وعلى خذلان طائفة أخرى ومنع هداياته وتوفيقاته عنهم ، والتخلية بينهم وبين ما يشتهون ، كما مرّ تفصيلها في بعض مقالات قاعدة الأمر بين الأمرين ، وبطلان الجبر والتفويض ، فمثل قوله تعالى :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
« 1 » وأشباهه يدلّ على نفي اللطف في حق الكافرين والمعاندين ، بل على ثبوت ما يزيد به عقابهم ! ! كما أنّ قوله تعالى :
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً
، وقوله :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا
هامش
( 1 ) - آل عمران 3 / 172 .