تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
والمدّعى هو الوجوب عليه بمعنى استحقاق الذم على الترك ، فأين هذا من ذاك « 1 » ؟ ! أقول : وهذا الإيراد واضح الفساد ؛ إذ المراد بالداعي هو الأصلح نفسه ، أعني به ما هو أتمّ مصلحة ، وإتيانه غير لازم عنه تعالى ، بل هو متمكن من فعله وتركه ، بل هو لازم عليه ؛ لأنّ إهمال الأصلح قبيح ينزّه عنه الله تعالى . والأولى أن يقال : إنّ الأصلح ممّا يجب إتيانه على الله تعالى ، فإنّه إذا دار الأمر بين إيجاد الأصلح وتركه ، أو بينه وبين الصالح فاختيار الشقّ الثاني ترجيح المرجوح على الراجح ، وهو ممنوع ، فمتعلق إرادته تعالى دائماً هو الأصلح ، وهو واجب عليه ؛ لأنّ تركه قبيح منه تعالى . وبعبارة واضحة : أنّ هذا البحث راجع إلى بحث حكمته تعالى ، ولا فرق بينهما أصلًا ؛ وذلك لأنّ الحكمة : إمّا أن يراد بها تبعية فعله للمصلحة والعائدة ، وأنّه لا يفعل إلا عن مصلحة ، وهي ما تقدم في هذا الجزء في مسألة تعلّل أفعاله بالغرض . وإمّا أن يراد بها صدور الأشياء عنه على أكمل الأنحاء الممكنة ، وهي مسألة أنّه تعالى حكيم ، وقد مرّ تفصيلها في الجزء الأول ، ومسألتنا هذه بعينها هي المسألة ، فكما أنّا قلنا : إنّه تعالى حكيم ، نقول : إنّه فاعل الأصلح لا محالة ، ولا نظام ممكن أحسن من هذا النظام الحاضر ، كما مرّ . نعم ، لو قلنا : إنّ المراد في هذا المقام هو البحث عن وجوب الأصلح بحال العبد ، كما هو ظاهر جملة من الكلمات المتقدمة ، بل هو مدلول دليلهم وهو المناسب لمباحث العدل ، فتكون المسألة مورداً ومصداقاً لمبحث حكمته تعالى ، لا أنّها راجعة إليه متحدة به ، لكنّ البحث بهذا العنوان لغو بعد إثبات تلك الكبرى الكلّية ، بل لا يمكن إثبات الحكم المذكور حينئذٍ ؛ إذ الذي يفعله الله تبارك وتعالى هو الأصلح الواقعي ، لا الأصلح بحال بعض ، وإن صادم مصلحة أقوى راجعة إلى فرد آخر أو جمع آخرين فإنّ اختياره حينئذٍ قبيح ، وعلى ضوء ذلك يبطل جميع الأقوال المفصّلة المتقدمة ، كما لا يخفى . ثم إنّ للنفاة اعتراضات على أصل المدّعى ، وإليك بيانها مختصراً . 1 - إنّ الأصلح بحال الكافر المبتلى بالأسقام والآفات أن لا يخلق أو يموت طفلًا ، أو يسلب عقله عند البلوغ لئلّا يستحق الخلود في النار . أقول : وقد ظهر جوابه ممّا حرّرناه آنفاً ، من أنّ المراد بالأصلح الواجب على الحكيم هو الأصلح بالنظر إلى الواقع والنظام ، وإن شئت فقل : الأصلح غير المعارض بما هو الأقوى منه ، ومصلحة عدم خلق الكافر ممّا لم يدلّ على كونها من هذا القبيل دليل .
هامش
( 1 ) - لاحظ شرح التجريد للقوشجي / 391 .