القاعد السادسة : في وجوب الأصلح عليه تعالى
اختلف المتكلّمون في أنّه هل يجب على الله تعالى ما هو الأصلح أو لا ؟
فأتباع الأشعري - لإنكارهم الأحكام العقلية - نفوا هذا الوجوب ، بل شدّدوا عليه النكير جداً « 1 » . وأمّا المعتزلة فلهم أقوال « 2 » :
فمنها : عدم وجوبه ، وهو قول جماعة منهم .
ومنها : وجوبه عليه تعالى ، وهو قول البلخي ومعتزلة ببغداد ، وجماعة من المعتزلة البصريين .
ومنها : أنّه يجب في حال دون حال ، وهو قول بعضهم ، ومعناه : أن مقداراً من المصلحة إذا كانت خالية عن المفسدة وكان الزائد عليه مفسدة وجب على الله أن يفعل ذلك المقدار ؛ لوجود الداعي وانتفاء الصارف ، وإذا لم يكن في الزائد مفسدة إلى غير النهاية فإنه تعالى قد يفعل وقد لا يفعله ؛ لأنّ مَن دعاه الداعي إلى الفعل وكان ذلك الداعي وحاصلًا في فعل ما يشقّ فإنّ ذلك يجري مجرى الصارف عنه ، فيصير الداعي متردّداً بين الداعي والصارف ، فلا يجب الفعل ولا الترك .
مثلًا : أنّ من دعاه الداعي إلى دفع درهم إلى فقير بعينه ولم يكن له ضرر في دفعه فإنّه يدفعه إليه ، فإن حضره من الفقراء جماعة يكون الدفع أليهم مساوياً للدفع إلى الأول ، ويشقّ عليه الدفع إليهم للضرر ، فهو قد يدفع الدرهم إلى الفقير منهم ، وقد لا يدفعه ، فإذا كان حصول الداعي فيما يشقّ يقتضي تجويز العدم فبحصوله فيما يستحيل وجوده أولى ، وعليه حمل العلامة الحلي ( رحمه الله ) قول المحقق الطوسي ( قدس سره ) في تجريده : ( والأصلح قد يجب ؛ لوجود الداعي وانتفاء الصارف ) .
أقول : وستعرف أنّ هذا التفصيل لا يرجع إلى محصّل .
وأمّا عبارة المحقق الطوسي فلعلّها ناظرة إلى ما ذكره في شرح الإشارات ( في النمط التاسع ) من أنّ الأصلح بالقياس إلى الكلّ غير الأصلح بالقياس إلى البعض ، والأول واجب دون
هامش
( 1 ) - راجع شرح القوشجي على التجريد ، وشرح عقائد النسفي للتفتازاني ، وغيرهما .
( 2 ) - لاحظ شرح التجريد للعلّامة الحلّي / 214 .