تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
لرقّة قلبية يعدّ مشكوراً عندهم ، والوالدين يربيان أولادهما لأجل المحبّة غير الاختيارية المودعة في قلبيهما حفظاً للنظام ، والأولاد ملزمون بشكرهما وتمجيدهما ، وهكذا ؟ وسرّ ذلك : أنّ استحقاق الشكر يتسبّب من الإحسان الصادر عن إرادة المحسن ورضاءه ، وسواء كان تركه قبيحاً ، أم لا ، بل وجوب الأصلح يشمل جميع العقلاء أيضاً ، ولا يخص الواجب الوجود وحده ؛ لعموم دليله ، فإذا أنعم زيد بدرهم على محتاج وكان الأصلح الإنعام بدينار فقد ارتكب القبيح واقعاً ، وإن كان على المحتاج شكره ؛ إذ ليس عدم إعطاء الدينار إيّاه ظلماً عليه ، ولا منعاً من حقه ، وإيتاء الدرهم له تفضّل محض عليه ، كما هو واضح ، ولعمري إنّ الشبهة المذكورة سخيفة جداً . وأمّا فائدة الدعاء فظاهرة ؛ إذ الدعاء ربّما يكون دخيلًا في الأسباب والعلل ، مثلًا : الفقر أو المرض أصلح لزيد بطبع الحال ، لكنّه إذا دعا الله لزواله يصير الغنى أو الصحة أصلح له لأجل دعائه ؛ ولذا ورد : أنّ الدعاء يردّ القضاء ، فالإيراد ناشئ عن عدم تعمّق في المسألة . 4 - إنّ مقدورات الله تعالى غير متناهية ، فأيّ قدر يضبط في الأصلح فالمزيد عليه ممكن ، فيلزم أن لا يمكن تأدية الله تعالى ما هو الواجب عليه ، وفساده أظهر من أن يخفى . أقول : ولعلّ هذا الوجه هو المستند للقول الثالث ، كما يظهر من تقريره ، لكنّه مزيّف صغرى وكبرى ، أمّا صغرى فلأنّ عدم تناهي المقدورات لا يستلزم عدم تناهي الأصلح ؛ إذ يمكن أن يكون مرتبة منها أصلح دون فوقها . وأمّا كبرى فلأنّ الوجوب المذكور - أي وجوب الأصلح - إنّما جاء من قبل قبح ترجيح المرجوح على الراجح كما عرفت ، ومن الضروري عدم القبح في ترك المحال ، فيتقصر على ما هو الممكن في الإيجاد ، وهذا واضح .

قصة خيالية :

نقل في المواقف وشرحها « 1 » حكاية زعماً أنّها تنحى بالقلع عن هذه القاعدة ، وهي : أنّه قال الأشعري لأستاذه أبي عليّ الجبائي : ما تقول في ثلاثة إخوة عاش أحدهم في الطاعة ، وأحدهم في المعصية ، ومات أحدهم صغيراً ؟ فقال : يثاب الأول بالجنة ، ويعاقب الثاني بالنار ، والثالث لا يثاب ولا يعاقب ، قال الأشعري : فإن قال الثالث : يا ربّ ، لو عمّرتني فأصلح فأدخل الجنة كما دخلها أخي المؤمن ؟ قال الجبائي : يقول الربّ : كنت أعلم أنّك لو عمّرت لفسقت وأفسدت فدخلت النار ، قال : فيقول الثاني : يا ربّ ، لم لم تمتني صغيراً لئلّا أذنب فلا أدخل النار كما أمّت
هامش
( 1 ) - 3 / 157 .