أخي ، فبهت الجبائي ، فترك الأشعري مذهبه ، وكان هذا أول ما خالف فيه الأشعري المعتزلة .
أقول : هذا هو مبلغهم من العلم ، يبحثون عن مسألة بسيطة ثم إذا عجز المسؤول عن جوابها يخالفه السائل في تمام أقواله ، ويجعل عجزه في مورد دليلًا على بطلان جميع مباينه ! وقد وقع نظير هذا للحسن البصري وواصل بن عطاء ، حيث قال الحسن : إنّ مرتكب الكبائر مؤمن فاسق ! وقال واصل : إنّه لا مؤمن ولا كافر ، فافترق منه واعتزله ، وحالهم عجيبة .
ثم إنّ الجواب عن هذه القصة قد انبثق ممّا تقدم ، فإنّ الله تعالى إن قال في جواب الثالث : إنّ موتك في حال الصغر كان أصلح للنظام فأمّتك وإن كان تعميرك أصلح لك ، لكنّ مصلحة الكلّ أولى بالرعاية من مصلحظ الجزء فلا يبقى له سؤال ، ثم يقول له - كما دلت عليه الروايات الصحاح « 1 » - : إنّك لو تريد الجنة فالآن نختبرك ونكلّفك ، فإن أطعتني أدخلك الجنة ، وإلّا فمصيرك إلى النار ، ثم يؤجّج له ناراً فيؤمر بالدخول فيها ، فإن دخل يدخل الجنة ، وإن عصى فيدخل النار ، فما ذركره الجبائي في جواب الثالث اختراع منه وتخرّص ، فهذه القصة لا تخدش القاعدة الشريفة المذكورة ، فافهم واستقم .
قال الصادق ( ع ) - كما في آخر رواية عبد الله الهاشمي المروية في التوحيد في الباب 61 - : « إنّ الله لا يفعل لعباده ، إلا الأصلح لهم ، ولا يظلم الناس شيئاً ، ولكنّ الناس أنفسهم يظلمون » .
وأعلم أنّ قانون العلّية سارٍ في عالم المادة ، بل في عالم الممكنات ؛ لا استثناء له أصلًا ، وسلسلة العلل وتنتهى إلى علة العلل وهو الخالق المدبّر عزّ اسمه ، بل قد جرت سنة الله على تأثير الأسباب العادية في مسبباتها ، إلا في مورد المعجزات وخوارق العادات تقديماً لعلل مادية أو غير مادية قاهرة غير عاديته على أسباب عادية ، تثبيتاً لمنصب النبوّات والرسالات للأنبياء والرسل عليهم السلام مثلًا ، وكثير أما يشتبه غير الراسخين في العلم ويتوقعون تخصيصها في كلّ ما يحبون ؛ ومنها في مقامنا ، فإن الصغير يميته الله على حسب قانون العليته الحاكم على الأشياء عن قبل مسبب الأسباب ، وكأنّه المصداق الأكبر للنظام الأصلح كما عبّرنا به فافهم المقام .
هامش
( 1 ) - وقد ورد من طريق العامة أيضاً هذا المضمون ، كما ذكره ابن حزم في فصله .