2 - إنّه يلزم أن تكون إماتة الأنبياء والأولياء المرشدين وتبقية إبليس وذرّياته المضلّين إلى يوم الدين أصلح لعباده ، وكفى بهذا فظاعة .
أقول : وقد اتضح جوابه من جواب الأول ، فإنّ المعلوم أن تبقية الأنبياء والأولياء إنّما تكون أصلح للمؤمنين القابلين لهداياتهم ، وأنّ إماتة إبليس وذرّيته أصلح للمتمرّدين والمغرورين بهم ، ولكن لا طريق لنا أن نحرز عدم تزاحم هذه المصلحة بما هو أقوى منها ، فلعلّ الأصلح في نفس الأمر هو إماتة الأنبياء وتبقية إبليس ، فلا يتم النقض مع هذا الاحتمال ، فالفظاعة إنّما جاءت من سوء فهم النفاة وعدم تعقّلهم حقيقة الحال .
3 - إنّه يلزم أن لا يبقى للتفضّل مجال ، ولا يكون له خيرة في الإنعام والإفضال ، بل يكون ما يفعله تأدية للواجب ، كردّ وديعةٍ أو دين لازم ، فلا يستوجب على فعله شكراً ، فيكون الدعاء لدفع البلاء وكشف البأساء والضرّاء سؤالًا من الله تعالى أن يغير ما هو الواجب عليه .
أقول : وصف المحقق اللاهيجي هذا الوجه بأعظم شبهات هذا الباب ، ثم أجاب عنه : بأنّ استحقاقه تعالى للشكر من أجل ابتداء الوجود وأصل الإيجاد ، فإنّه تفضّل محض ، فإنّ الواجب عليه تعالى إن أراد إتيان شيء هو أن يوجده على نحو أصلح ، فالذي لا يستحق الشكر عليه هو إيجاد الشيء على نحو الأصلح ، وأما إيجاد أصل هذا الشيء وإرادته فليس بواجب عليه ، فيستحق بإعطائه الشكر على المتفضّل عليه .
ودليله : أنّ الذي يقبح عقلًا من العاقل أن يفعل فعلًا وهو يقدر على إيقاعه بوجه حسن فيفعله على غير هذا الوجه ، لا أن يعلم فعلًا حسناً ولم يفعله .
لا يقال : إن ابتداء الوجود أيضاً مبنيّ على مصلحة ، فيعتبر فيه أيضاً رعاية الأصلح فيكومن واجباً لا يجامع استحقاق الشكر .
فإنّه يقال : إنّ هذا ممنوع ، بل وجوب الأصلح بعد ابتداء الوجود ، فإنّ المستدعي للأصلحية غير متحقق قبل إرادة الإيجاد حتى يجب رعايته ، بل تحقّقه بعد إرادة الإيجاد .
أقول : هذا التقرير منه عجيب ، ولا أظنّ أن يوافقه أحد على هذا التفصيل ، بل لا أظنّ أن يلتزم به هو نفسه في سائر المسائل ، وفيما يترتب عليه من الآثار .
وعلى الجملة : لا شكّ في بطلان هذه النظرية ، فإنّه كما يقبح عقلًا ترجيح الصالح أو الفاسد على الأصلح بعد إرادة أصل الفعل كذلك يقبح ترجيح ترك الأصلح على فعله ، فيصبح الفعل الأصلح واجب الإتيان ابتداءً .
فالصحيح في جواب الشبهة : أنّ الوجوب المذكور لا ينافي استحقاق الشكر للفاعل ، ولا وجوبه على المتفضّل عليه ، كما يظهر من ملاحظة سنن العقلاء ، ألا ترى أنّ من يحسن بالفقراء
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 260
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص٢٦٠