والماءين العذب والمالح ، فهما مركوزتان في طبع كلّ شخص ، فيكون له ميل إلى إلى الأعمال الصالحة ، وميل إلى الأعمال السيئة ، غير أنّ أحد الميلين أقوى من الآخر حسب أقوائية طينته ، فأين الجبر والاضطرار ؟ !
وأمّا مصير الطينة إلى الجنة أو النار فهو محمول على مضيِّ حاملها على طبق مقتضاها ، لا مطلقاً ، كما يؤيده رواية جابر الجعفي الصحيحة « 1 » ، عن أبي جعفر ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين ( ع ) ففيها : ثم اغترف غرفة أخرى من الماء المالح الأجاج فصلصلها في كفّه فجمدت ، ثم قال لها : منك أخلق الجبّارين ، والفراعنة ، وإخوان الشياطين . . » ، قال : « وشرط في ذلك البداء فيهم ، ولم يشترط في أصحاب اليمين البداء ، ثم خلط الماءين » . . . إلى آخر .
رواها القمّي والعياشي والصدوق قدّس الله أرواحهم ، فاشتراط البداء دليل على أنّهم لو أطاعوا الله لصاروا إلى الجنة . نعم ، يشكل الأمر في عدم اشتراطه في أصحاب اليمين ، ولابد من توجيهه .
ومرسلة عمار ، عن الصادق ( ع ) « 2 » . . . : « ثم قبض ( الله ) قبضة من كتف آدم الأيمن فَذَراها في صلب آدم ، فقال : هؤلاء في الجنة ولا أبالي ثم قبض قبضة من كتف آدم الأيسر فذرأها في صلب آدم ، فقال : هؤلاء في النار ولا أبالي ، ولا أسال عمّا أفعل ، ولي في هؤلاء البداء بعد ، وفي هؤلاء ، وهؤلاء سيبتلون . . . إلى آخره .
2 - الالتزام باقتضاء الطينة للأخلاق والأعمال ، وإن كان أحسن من التباني على علّيتها لها إلّا أنّه أيضاً ينافي عدله تعالى ؛ إذ كيف يحسن منه تعالى أن يجعل في الناس ما يقتضي المعاصي والآثام .
قال قائل : إنّ هذه الأخبار ولو بمعنى أقربية الشخص إلى الكفر بسبب الطينة مستلزمة لتبعيض لطفه تعالى بالنسبة إلى العباد ، وهو ظلم .
أقول : للإشكال ظاهر وجيه ، غير أنّه ضعيف الأساس عند التدقيق ؛ إذ نقول : أليس تقديره تعالى ولادة أحدٍ من أبوين كافرين مقتضٍ لكفره ، أو تقديره سكونة شخص في بلدة خبيثة مقرباً له للفسق والفجور ؟ ! أهذا ظلم منه تعالى ؟ أليس من المحسوس تفاوت أفراد الناس في قواهم العقلية والكفرية والشهوية والغضبية ، أليس هذا تبعيضاً للطفه ؟ ! أهذا ظلم ؟ وإن من شيء إلّا
هامش
( 1 ) - البحار 5 / 237 ، واعتبار الرواية مبنيّ على أنّ كلّ من وقع في إسناد روايات كتاب ابن قولويه « كامل الزيارات » ثقة ، كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه ، فلا حظ ، والمقام لا يسع الكلام . . . ، وإلّا فبعض رواة هذا الخبر لم يوثق في كتب علم الرجال المعروفة المتداولة .
( 2 ) - البحار 5 / 255 .