يصلح كما هو المشهود خارجاً .
وهنا نزاع آخر بين الحكماء « 1 » ، فقال الرواقيون : إنّ الناس كلّهم خلقوا في بدو الفظرة على طبيعة الخير ، وإنّما يتلوّثون بالشرور لمجاورة الأشرار وممارسة الشهوات وعدم التأديب ، فترسخ طبيعة الشرّ في أنفسهم .
وذهب جمع ممّن سبقهم إلى الناس خُلقوا من الطينة السافلة ووسخ الطبائع ، والكدورات قد صرفت في مادتهم ؛ ولذا ركّزت الشرّ فيهم ، قبولهم للخيرات إنما هو من جهة التعليم والتأديب ، ومنهم من لا يصلح له لشدة شرّيّته ، فالتأديب ينفع من ضعفت شرّيّته .
وقال جالينوس : إنّ بعض الناس فطر على طبع أهل الخير ، وبعضهم على طبع أهل الشرّ ، والبقية متوسّطة بينهما ، قابلة للخير والشرّ ، وقال : إنّا نشاهد بالعيان أنّ طبائع بعض الناس - وهم قليلون - تقتضي الخير ولا ينتقلون منها بوجه ، وطبائع بعضهم - وهم الكثيرون - تقتضي الشرّ ولا يقبلون الخير بوجه . وباقي الناس من المتوسّطين يصلحون بمجالسة الأخيار ويطلحون « 2 » بمخالطة الأشرار ، ثم زيّف القولين الأولين بأنّ الناس لو كانوا كلّهم على طبيعة الخير أو الشرّ وكان انتقالهم إلى خلاف طبيعتهم بالتعلم والممارسة ، فلا محالة يكون ذلك إمّا من قبل أنفسهم ؟ فيلزم أن يكون فيهم غير ما فزضناه أنّه مقتضى طبعهم أيضاً ، وهذا خلف . وإمّا من قبل غيرهم ، فلا يكون الناس على طبيعة واحدة ، بل لعضهم على طبيعة الخير وبعضهم على طبيعة الشر ، وهذا هو المطلوب .
والحق : أنّ خلقة الناس مختلفة حسب اختلاف الطينة ودرجاتها ، على نحو تضمّنته الأخبار المتقدمة الذكر ، غير أنّ هذه الطبائع لا تكون لازمة الثبوت وممتنعة الانفكاك ، ولا عللًا تامة للأفعال ، فيمكن زوالها بالأفعال لها لأجل الإرشاد أو الإغواء ، فهذه الأقوال غير متينة ، فافهم جيداً .
الفصل السادس : في دفع بعض ما أورد أو يمكن أن يورد على المختار ، وهو أمور :
1 - إنّ ظاهر بعض الأخبار المذكورة هو سببية الطينة التامة للأفعال ، لا مجرد اقتضائها لها ، بل المستفاد من بعضها أنّ مصير الطيبة إلى الجنة ، والخبيثة إلى النار ، لا غير .
إقول : وحيث عرفت قطعية بطلان السببية التامة فلابد من تأويل هذا الظاهر إلى ما قرّرنا ، وممّا يدلّ على ذلك من نفس تلك الأخبار : هو ما تضمّن اختلاط الطينتين الخبيثة والطيبة
هامش
( 1 ) - لاحظ المصدر السابق / 82 .
( 2 ) - أي يُصبحون طالحين .