المحض وهو الكفر باختيارهما ، عاملها هذه المعاملة كالخلق من الطينة الطيبة أو الخبيثة ، فحيث على الله من زيد أنّه يختار الخير والإيمان البتّة ولو لم يخلق من طينة طيبة خلقه منها ، ولمّا علم من عمرو أنه يختار الشر والكفر البتّة خلقه من طينة خبيثة . . . - إلى أن قال السيد الناقل المذكور : - وهذا معنى جيد ينطبق عليه أكثر أخبار الباب ، ويستنبط من أخبارهم ( عليهم السلام ) كما أشير إليه بقوله ( ع ) حكاية عنه تعالى : « أنا المطلّع على قلوب عبادي ، لا أحيف ولا أظلم ولا ألزم أحداً إلا ما عرفته منه قبل أن أخلقه . ويستفاد ذلك من أخبار أخر ذكرها يفضي إلى التطويل .
أقول : مغايرة هذا القول للقول الثاني والرابع واضحة لا تخفى على الباحث ، والإنصاف : أنّ هذا القول أحسن وأقرب من جميع الأقوال المتقدمة ، وبه يجمع بين هذه الأخبار وما تقتضيه القواعد العقلية والأدلة الشرعية الأخر من اختيار العباد التام في أفعالهم ، كما عرفتها في الأمر بين الأمرين ، بيد أنّ القول المذكور في نفسه غير تام أيضاً ؛ لما عرفت من أنّ الذي يصلح دليلًا له هو رواية جابر المتقدمة التي إن تمّت دلالتها عليه تسقط من ناحية السند ، فيصبح القول المذكور بلا دليل ، بل قد عرفت أنّ الروايات الكثيرة المذكودة في البحار تدلّ على مدخلية الطينة في الأعمال ، كما أنّ ما أخرجه ثقة الإسلام الكليني في الكافي ( أول الجزء الثاني من أصوله في هذا الباب ) أيضاً يدل عليها ، فلا حظ .
وأمّا ما أشار إليه السيد المذكور من قوله تعلى في الحديث : « ولا ألزم أحداً إلّا ما عرفته منه قبل أن خلقه » فهو وإن كان موجوداً في البحار لكنّه غير مذكور في « الوافي » ، فتكون الجملة المذكورة غير ثابتة من الإمام ( ع ) ، وعلى فرض تسليمها فمعناها : ولا ألزم أحداً إلّا ما عرفتته منه من الطينة الخبيثة أو الطيبة ، لا من تمرّد المكلف وعصيانه مع قطع النظر عن الطينة ، ولابد من تفسيرها بذلك لتلتئم الجملة المذكورة مع ما قبلها من جملات الرواية .
وأضف إلى ذلك : أنّ هذه الرواية - وهي رواية الليثي التي رواها الصدوق ( قدس سره ) في آخر كتابه « علل الشرائع » والكاشاني عن بعض مشايخه في « الوافي » بطولها ناصّة على بطلان هذا القول ، فالاستدلال بجملة منها له عجيب .
والذي يسهّل الخطب أنّ الرواية لاشتمالها على بعض الأمور - مضافاً إلى ضعف سندها - مخالفة للأصول الدينية فضلًا عن قاعد العدلية ، فلابد من طرحها .
الثامن : ما ذمره الفيض الكاشاني في « الوافي » وأول الروايات المذكورة إلى أمور غير ثابتة في نفسها ، وعلى فرض صحتها فحمل الروايات عليها بلا شاهد ، مع أنّ الإشكال المتقدم لا يدفع به فإنّه غير ناظر إليه ، بل لعله يقوّيه ، فلا نطوّل المقام بنقله ونقده .
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 251
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص٢٥١