تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢

الفصل الخامس : في تحقيق المقام وبيان المختار

وحيث هذه الأقول لم تفد لحلّ المشكلة شيئاً . فنقول : إنّ الطينة الطيبة مقتضية للإيمان والأفعال الصالحة ، والطينة الخبيثة مقتضية للميل إلى الكفر والمعصية ، على حسب اختلاف مراتب الطينتين المذمور تين شدّةً وضعفاً ، وليستا علّتين تامّتين للطاعة والمعصية ، ليلزم الجبر الباطل حسّاً وشرعاً ، وليقبح العقاب على تمرّد المكلفين . وبالجملة : الطينة المذكورة وإن توجب الميل إلى ما تسانخه من العقائد والأفعال ، إلّا أنّ الميل المذكور قابل للزوال ، وعلي فرض ثبوته لا يستلزم التحرّك إلى العمل ، بل يمكن حيلولة بعض الأمور بينهما ، مثل : لحاظ أمر الله سبحانه ، وخوف العقاب ، وطمع الثواب ، ونحو ذلك ، وهذا التفاوت الحاصل في المكلّفين من قبل الله تعالى لا قبح فيه أبداً ، كما ستعرف وجهه . بحث أخلاقي في تأكيد المرام : اختلفوا في جواز انتقال الأخلاق وعدمه على أقوال : فذهب جماعة إلى أنّها طبيعية لا يمكن زوالها ، كحرارة النار مثلًا . وقالت طائفة أخرى - وهم الحكماء المتأخرون ، ومنهم المحقق الطوسي « 1 » - : إنّه لا شيء من الأخلاق بطبيعية ولا مخالفة للطبيعة ، بل لكل شخص التخلّق بما يشاء بسهولة إن كان الخلق موافقا لمقتضى مزاجه ، أو بصعوبة إن كان مخالفاً له ، وقالوا : كلّ خلق عرض على أو جماعة علّته اختيارية ، لكن تصيّره الممارسة والمداومة ملكة ، واستدلّوا على مذهبهم بأنّ كل خلق قابل للتغيّر ، وكل متغيّر ليس بطبيعي ، فينتج : أنّ كل خلق لا يكون طبيعياً ، أمّا الصغرى فبالضرورة ، ووجوب التأديب وحسن الشرائع . وأمّا الكبرى فهي بيّنة ؛ إذ كل أحد يعلم أنّ حرارة النار لا تنفكّ عنها ، وميل الماء إلى الأسفل لا يزول عنه أصلًا . وفصّل قوم ثالث فقالوا : إنّ بعض الأخلاق طبيعية ، وتعضها عادية ترسخ في النفس بالممارسة والمباشرة . أقول : خير هذه الأقوال وأصحها أوسطها ؛ لصحة دليله ومتانة تقريبه . ومنه ظهر أنّ الأخلاق الموروثة من اختلاف مراتب الطينة ليست بطبيعية ، بل يمكن إزالتها ولو بعد العمل بمقتضاها في برهة من الزمان . ثم إنّ الأخلاق - حميدة كانت أو رذيلة - لا تكون عللًا تامة لصدور ما يناسبها من الأفعال ، ولذا يرى أنّ صاحب ملكة العدالة قد يخرج عن خدّ الاعتدال لمانع ، والمتخلّق بالفجور قد
هامش
( 1 ) - أخلاق ناصري / 81 .
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 252 | الشيخ محمد آصف المحسني