الطينة على عالم الذرّ ، فهذا القول أيضاً ساقط .
الخامس : أنّ هذه الروايات كناية عن اختلاف استعدادهم وقابلياتهم ، وهذا أمر بيّن لا يمكن إنكاره ، فإنّه لا شبهة في أنّ النبي ( ص ) وأبا جهل ليسا في درجة واحدة من الاستعداد والقابلية ، وهذا لا يستلزم سقوط التكليف ، فإنّ الله تعالى كلّف النبي ( ص ) حسب ما أعطاه من الاستعداد لتحصيل الكمالات ، وكلّف أبا جهل ما أعطاه من ذلك ، ولم يكلّفه ما ليس في وسعه ، ولم يجبره على شيء من الشر والفساد .
أقول : إنّ الروايات صريحة في اختلاف الطينة الموجب لتفاوت الاستعدادات ، لا أنها كناية عنه . هذا أولًا .
وثانياً : أنّ استعداد أبي جهل - مثلًا - للرذيلة أكثر من استعداده للكمالات ، كما عرفته ممّا سبق ، فيلزم من هذا القول لزوم تكليفه بالرذائل ، فافهم .
وثالثاً : أنّ اختلاف الثواب كثرةً وقلّةً حسب اختلاف الاستعداد شدة وضعفا وإن كان أمراً معقولًا بل له شاهد من الأخبار ، إلا أنّ اختلاف التكليف بحسبه غير صحيح ، فإنّ الناس أمام التكليف الشرعي سواء . نعم ، للنبي الأكرم ( ص ) وظائف خاصة لا تعمّ غيره ، ولعلّها من قبيل وجوب الحجّ على المستطيع دون الفقير ، فالتكليف عام للجميع على حدّ واحد ، فتبصّر .
وأصل الإشكال الوارد على المقام : أنّ مقتضى تلك الروايات استناد الطاعات والمعاصي إلى الطينة غير المكتسبة للعبد ، بل بإبداع من الله تعالى وإيجاده ، وهو لا يجامع حسن العقاب واستحقاق الثواب ، وهذا القول - إن تمّ - لا يدفع الإشكال المذكور .
السادس : ردّ الأخبار المذكورة إذا لم يمكن تأويلها بحيث توافق الآية الكريمة ، وهي قوله تعالى :
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
، والضروري من مذهب الإمامية ذكره بعضهم في حواشي « الوافي » .
أقول : الأخبار متواترة إجمالًا أو معنى لا يمكن ردّها ، بل لا بد من التوقف أو التأويل إلى ما ينافي الضرورة المذهبية ، وأمّا الآية الكريمة فليست ناصّة على خلاف الروايات المذكورة ، فيمكن الجمع بينهما ، وسيأتي بحثه .
السابع : ما اعتمده أكثر الأصحاب وعوّلوا عليه في هذا الباب ، كما نقله بعض الفضلاء السادة « 1 » ، وهو : أنّ ذلك منزّل على العلم الإلهي ، فإنّه تعالى لمّا خلق الأرواح قابلة للخير والشرّ وقادرة على فعلها ، وعلم أن بعضها يعود إلى الخير المحض وهو الإيمان ، وبعضها يعود إلى الشرّ
هامش
( 1 ) - وهو السيد عبد الله شبّر في مصابيح الأنوار / 13 .