تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
حيث يجعل بعض من تحت تصرفة وزيراً قريباً وبعضهم كنّاساً بعيداً « 1 » ؛ لأنّ كلًّا منهما من ضروريات مملكته ، وينسب الظلم إلى الله تعالى في تخصيص كلّ من عبيده بما خصّص ، مع أنّ كلّا منهما ضروري في مقامه ؟ ! انتهى كلامه . أقول : صفاته تعالى على قسمين : صفات ذاتية أزلية ، وصفات فعلية حادثة . والأولى عين ذاته ، مصداقاً على ما مرّ بحثه مفصّلًا ، وهي - على ما دريت في الجزء الأول - ليست إلا الوجود والعلم والقدرة ، وأمّا غيرها فراجعة إليها لا محالة ، فهي أصول أوصافه الكمالية . ومن الظاهر جداً أنّ نسبتها متساوية إلى جميع الممكنات ، فإنّ العلم شأنه الانكشاف ، والقدرة شأنها صحة الفعل والترك ، وأما الوجود فحاله واضح . وإن شئت فقل : إنّ قرب ممكنٍ إلى الواجب المجرد دون ممكن ترجّح بلا مرجّح ، وهو محال بلا ريب . وأما الثانية فهي ممكنة زائدة على ذاته كالإيجاد والخلق والرزق والهداية والرحمة والإماتة والإحسان واللطف والغضب ونظائرها . ومن المعلوم أنّ الله تعالى لا يتصف ولا يسمّى بمشتقات هذه المبادئ قبل تحققها ، فلا يقال : إنّه خالق رحيم لطيف هادٍ مضلّ قبل صدور الخلقة والرحمة واللطف والهداية والضلالة عنه تعالى التابعة لمناطاتها الواقعية . ولا بد أن يكون هناك مؤمن ليلطف به ويهديه ، وكافر ليضلّه ، على ما مرّ تفصيله . نعم ، الإيجاد غير موقوف على وجود الموجود ، بل الامر بالعكس ، وهو واضح . فانقدح ممّا ذكرنا أنّ أسماءه تعالى لا تصلح لمبدئية الأشياء ، والأشياء لا تكون لوازم أسمائئه وصفاته ، فإنّ صفاته الذاتية متساوية إلى جميع الممكنات ، ولا يعقل اختصاصها بشيء دون شيء ، وصفاته الفعلية غير متحققة أزلًا وقبل تحقق مبادئها الحادثة الموقوف على عللها وأسبابها ، فليس أنّه : أحسن وهدى ولطف لكونه لطيفاً هادياً محسناً ، ولا أنّه : غضب وقهر وأضلّ لكونه قهّاراً مضلّاً ، بل إنّما صار لطيفاً هادياً وقاهراً ومضلّاً لأنّه هدى وأضلّ وقهر ولطف ، فافهمه حتى تفهم أنّ الجواب المذكور منهدم الأساس ، على أنّ العقاب والعتاب على المعاصي حينئذٍ يكون ظلماً بحتاً ، فيخلّ بعدله وحكمته تعالى الله عنه ، وما ذكره من كون ذلك عدل وحكمة واضح الفساد ، فلا يليق بالجواب ، وأمّا ما نقله من المثال فهو أجنبي عن المقال ، كما لا يخفى على أرباب الكمال ، والإنصاف أنّ هذا القول المنسوب إلى الصوفية باطل جداً لا معنى محصّل تحته أصلًا .
هامش
( 1 ) - الملك لا يعاقب الكنّاس البعيد أشدّ العذاب ، ولو عذابه لكان ظالماً لكن الشقي البعيد يعاقب في النار وقد يخلد فيها ، فلا فائدة في هذه الأمثلة الفارغة !