بعض الكلام فيه في المباحث السابقة .
ثم إنّ ذاتية الشقاوة والسعادة أمر خيالي بحت لا واقع له أصلًا ؛ إذ إن أريد بالذاتي ذاتي في باب الكلّيات ففساده أوضح من أن يخفى على عاقل ، ضرورة أنّهما ليستا بجنس الإنسان ، ولا بفصل له ، مع أنّه يستلزم اختلاف السعيد والشقي في الماهية والحقيقة ، كاختلاف الإنسان والبقر ، واختلاف الحيوان والنبات ، وهو كما ترى .
وأن أريد به الذاتي في باب البرهان كإمكان الماهيات وزوجية الأربعة ونحوهما فيزيَّف بلزوم تساوي تمام الأفراد في السعادة أو الشقاوة ، فإنّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد قطعاً ، مع أنّ الواقع خلافه ، فمنهم سعيد ومنهم شقي ، على أنّه يوجب استحالة سلب السعادة عن السعيد والشقاوة عن الشقي ، والحال أنّ المحسوس خلافه ، إذ الشقي العنود قد يصبح سعيداً رشيداً ، والسعيد الصالح شقياً ضالّاً ، وهذا الانقلاب يبطل ذاتية السعادة والشقاوة بجميع معانيها ، كما لا يخفى .
وعلى الجملة : تأثير التربية وتوقّع الإصلاح والإفساد وحسن التكليف والجزاء عند العقلاء أدلة محكمة على أن الشقاوة والسعادة غير لازمبين للإنسان ، فما ذكره هذا القائل بتمامه مختلّ الأساس ولا طائل تحته .
ثم نرجع ونُضيف : أنّا لا نعقل للسعادة والشقاوة معنى غير ما يتحصل من الأفعال الصالحة والسيئة ويستنتج منها ، فهما معلولتان للأفعال دون العكس ، وإلّا لدار . نعم ، لا غروة في استناد بعض الأفعال إليهما بعد تحققهما ببعض أفعال أخر منها .
بحث روائي :
في رواية أبي بصير - كما عن التوحيد « 1 » - عن أبي عبد الله ( ع ) في قول الله عزّ وجلّ :
قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا
؟ قال : بأعمالهم شقوا .
أقول : هذا نصّ فيما قلنا آنفاً من ترتب السعادة والشقاوة على الأفعال دون العكس ، فتبطل به ذاتية الشقاوة والسعادة من رأس .
وفي حسنة منصور بن حازم أو صحيحته « 2 » ، عن أبي عبد الله ( ع ) قال : إنّ الله خلق السعادة والشقاوة قبل أن يخلق خلقه ، فمن خلقة الله سعيداً لم يبغضه أبداً ، وإن عمل شرّاً أبغض عمله ولم
هامش
( 1 ) - البحار 5 / 157 .
( 2 ) - أصول الكافي 1 / 152 ، الترديد من جهة محمد بن إسماعيل .