تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦

المقالة العاشرة : في السعادة والشقاوة والطينة

قد ثبت ممّا تقدم - ثبوتاً قطعياً وضرورياً - أنّ الإنسان مختار في أفعاله وتروكه ، فله أن يفعل كلّ ما يشاء ، وله أن يترك كل ما لم يشاء ، لكّن هنا شيئاً آخر لا يمكن إنكاره ، وهو اختلاف أفراد الإنسان في ميولهم وطلباتهم . فيميل بعضهم إلى الخير من بدو أمره وبداءة عمره - وإن تمكّن من الانصراف عنه إلى الشرّ - ويتّعظ بوعظ وجيز ، ويتأثر بوعيد قليل ، ويهوى بعضهم الشرّ والفساد من أول رشده وعنفوان شبابه ( مع القدرة على فعل الخير وترك الشرّ ) ، ولا ينفعل - في الأغلب - بنصح ناصح ، ولا من عتاب لائم ، ولا من تخويف عقاب أصلًا . وربما يتفق أنّ مثل هذين الشخصين من أب وأمّ واحد ، تربَّيا عند معلم واحد ، وعاشا في محيط واحد ، والاختلاف بينهما موجود متحقق ، فيتجه السؤال إلى لُمّية هذا الاختلاف ؟ وهذا مقام دقيق وموقف عميق ، اضطرابت فيه الأنظار ، وتبلّدت فيه الأفكار ، وزلّت فيه الأقدام إلّا من عصمه الله بلطفه . وإليك ما فزت عليه من الأقوال لحلّ هذا الاعتضال ، وعليك بالتدبّر والتثبّت التام : الأول : ما ذكره المحقق الهروي « 1 » : قلت : العقاب إنّما يتبع الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما ، فإنّ السعيد سعيد في بطن أمّه والشقي شقي في بطن أمّه ، والناس معادن كمعادن الذهب والفضة ، كما في الخبر . والذاتي لا يعلّل ، فانقطع سؤال : أنّه لِمَ جُعل السعيد سعيداً والشقي شقياً ؟ فإنّ السعيد سعيد في نفسه ، والشقي شقي كذلك ، وإنّما أوجد هما الله . قلم اين جا رسيد سر بشكست . انتهى كلامه . أقول : الاختيار لا يجامع ذاتية الشقاوة والسعادة ، وعليه فاستتباع الكفر والعصيان للعقاب ممنوع ، بل هي - أي ذاتية الشقاوة - تبطل حسن تكليف الشقي المضطرّ إلى ارتكاب الفعل ، في حين أنّهما لا توجب انقطاع السؤال أيضاً ، فإنّ الجعل التركيبي وإن لم يتعقل في الذاتيات إلّا أنّ الجعل البسيط غير ضروري . فنقول : لِمَ خلق الله الشقي مع أنّ شقاوته الموجبة لدخوله النار ذاتية ، ومن البديهي قبح مثل هذا الإيجاد ، ومعه لا يُصغى إلى ما قيل في حسن خلقته فإنّه يناسب حال القصّاصين ، وقد مرّ
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول 1 / 100 .