تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
اللزوم كلّياً ، فلاحظ . 4 - ما يخطر بالبال من أنّ الرضا يتعلق بالشيء بوصف كونه مقضياً ، ومن حيث إنّه متعلقٍ للقضاء ، وأمّا بلحاظ نفسه فقط فلا ملزم للرضا به ، بل قد يكون مرضياً ، وقد يكون مبغوضاً ومنفوراً إمّا طبعاً وإمّا شرعاً وإمّا طبعاً وشرعاً . توضيح ذلك : أنّ ما يقال له الشر قسمان : الأول : ما يوجب سخط الربّ من الكفر والفسق . الثاني : ما ينافي طبائعنا وإن كان ذا مصلحة واقعاً . أمّا القسم الأول فهو ليس من أفعال الله تعالى ، بل من سوء اختيار المكلفين وأفعالهم على تفصيل دريته . نعم ، إنّ الله تعالى مكّن العبد وأعطاه القدرة والاختيار ليكفر أو يؤمن ، وهذا هو المقتضي ، ولا مانع من لزوم الرضا بمثله أصلًا . وبعبارة واضحة : أنّ الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ : أنّ زيداً يكفر باختياره وإرادته وبقوتي وتمكينى إياه من ذلك ، ثم نقول : نحن نرضى بهذه الكتابة وبتمكين الله تعالى المكلف من الكفر والفسق والإيمان والطاعة ، ووجه هذا التمكين أيضاً واضح ؛ إذ لو لاه لبطل التكليف والتشريع ، فإنّ الاضطرار مانع عن الأمر والنهي بالضرورة ، ونقبّح ترجيح المأمور الكفر والفسق ، فالمعصية من جهة تمكين العاصي عنها مرضية ، ومن جهة وجودها بإرادته مستنكرة . ثم إنّ من الظاهر عدم جريان هذا الوجوب على مسلك الأشعري ومن ينجرّ قوله إلى الجبر ، فإنّ الكفر صادر بإرادة الله تعالى وحده ، ولا تأثير لغيرها ، فالمجبّرة في داء عياء لا ينجع فيه دواء أبداً ، فافهمه جيداً . وأما القسم الثاني فأمره ظاهر ؛ لأنّ المصائب والبلايا بما أنها مقضية وواصلة من الله تعالى إلى العبد مرضية لا محالة ، وبما أنها مصيبة وبلية منفورة ، ومن هذا القبيل وفاة الأنبياء ( عليهم السلام ) فإنّها من حيث كونها مقضية مرضية ، ومن حيث إنّها موجبة لقطع الخيرات منفورة ، وقطع الخير المذكور مرضي من حيث إنه مقضي ، ومنفور من حيث إنّه نقص لنا ، وهكذا ، ومن هنا ظهر أنّ الدعاء والمعالجة والحيلة لا تنافي الرضا بالقضاء ، كما لا يخفى ، وقول المحقق الطوسي المحكي في الأسفار : « إنّ الرضا بالكفر من حيث هو قضاء الله طاعة ، ولا من هذه الحيثية كفر . إن رجع إلى ما ذكرنا فهو ، وإلا فليس بصحيح . تتمة : قد ثبت أنّ الرضا المتعلق بكل شيء لا ينافي لزوم استنكار العصيان وحسن التأثر من موت الصلحاء والمؤمنين وتنفر البلايا طبعاً . والآن نقول : لا شكّ في فضل هذا الرضا وحسنه ،
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 233 | الشيخ محمد آصف المحسني