وللباحثين فيه مسالك :
1 - أنّ الكفر مقتضّي ، لا قضاء ؛ لأنّه متعلق القضاء فلا يكون نفس القضاء ، فنحن نرضى بالقضاء لا بالمقضيّ ، نقله في الأسفار « 1 » عن الغزالي وغيره كالإمام الرازي ،
وقال : واستصوبه جماعة من الصوفية ، كصاحب العوارف المولى الرومي ، ثم قال : وزيّف هذا الجواب جماعة من البارعين في العلم ، منهم المحقق الطوسي في نقد المحصّل ، حيث قال : وجوابه بأنّ الكفر ليس نفس القضاء ، وإنّما هو المقضيّ ليس بشيء ، فإنّ قول القائل : رضيت بقضاء الله ، لا يعني به رضاه بصفة من صفات الله ، إنّما يريد به رضاه بما يقتضي تلك الصفة ، وهو المقضى . انتهى كلامه .
وقال العضدي والجرجاني « 2 » : قلنا : الواجب هو الرضا بالقضاء ، لا بالمقضي ، والكفر ، مقضي لا قضاء ، والحاصل : أنّ الإنكار المتوجه نحو الكفر إنّما هو بالنظر إلى المحلّية ، لا إلى الفاعلية ، يعني أنّ للكفر نسبةً إلى الله تعالى باعتباره فاعليته له وإيجاده إياه ، ونسبة أخرى إلى العبد باعتبار محلّيته له واتصافه به ، وإنكاره باعتبار النسبة الثانية ، والفرق بينهما ظاهر ؛ لأنّه ليس يلزم من وجوب الرضا بشيء باعتبار صدوره عن فاعله وجوب الرضا به باعتبار وقوعه صفة لشيء آخر ؛ إذ لو صحّ ذلك لوجب الرضا بموت الأنبيا ( ع ) ، وهو باطل إجماعاً ، هذا كلامهما .
ولكنّه لا يرجع إلى معني صحيح ، فإنّ القضاء تعلق بوصول الكفر - مثلًا - من الله تعالى إلى العبد ، وكون العبد محلّاً له ، كما هو قضية عموم تعلقه ، وعليه فيعود الإشكال على أنّ السر في لزوم رضا العبد بقضائه تعالى أو حسنه هو تسليم العبد لله تعالى في أفعاله وعدم الاعتراض عليه ، واعتقاد أنّ ما يصل إليه من ربه أصله له ، وكل ذلك ناظر إلى جهة المحلّية أيضاً ، دون الفاعلية فقط ، وهذا هو المستفاد من الأدلة أيضاً ، ولعلّ هذا هو مراد المحقق الطوسي في كلامه المتقدم .
ثم إنّ صاحب الأسفار رام إصلاح القول المذكور ، وكون الرضا بالقضاء لا يستلزم الرضا بالمقتضي - وهو الكفر - ولم يرتض ما أفاده المحقق الطوسي ( قدس سره ) ، وحيث إنّ ما ذكره غير صحيح - كما يظهر للمتطّلع على أصولنا - تركنا نقله ونقده لئلّا يطول المقام بلا طائل ، والله الهادي .
2 - ما عن شرح الكشّاف من أنّ الرضا بالكفر إنّما يكون كفراً إذا كان مع الاستحسان له ، وعدم الاستقباح ، بخلاف الرضا به مع استقباحه قصداً إلى زيادة عذابه ، كما قال الله تعالى :
هامش
( 1 ) - في بعض فصول مبحث إرادة الله تعالى .
( 2 ) - شرح المواقف 3 / 141 .