تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
وكتب إليه الشعبي : أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) : « كلّ ما استغفرت الله منه فهو منك ، وكلّ ما حمدت الله فهو منه » . فلمّا وصلت كتبهم إلى الحجاج ووقف عليها قال : أخذوها من عين صافية . أقول : هذه الكلمات الشريفة كلّها ناظرة إلى أنّ القدر والقضاء لا ينافيان الاختيار ، كما أوضحناه لك . وهنا رواية أخرى مشهورة دالة أيضاً على أنّهما لا ينافيان الاختيار ، نقلت عن أمير المؤمنين ( ع ) في جواب رجل سأله عن مسيره إلى صفّين أنه بقضاء من الله وقدره ، أم لا ؟ تركناها لاشتهارها ، فلاحظ . تذييل حول الرضا بالقضاء : قال العلامة الحلّي « 1 » قدّس الله نفسه الزكية : اتفقت الإمامية والمعتزلة وغيرهم من الأشاعرة وجميع طوائف الإسلام على وجوب الرضا بقضاء الله تعالى وقدره ، ثم إنّ الأشاعرة قالوا قولًا لزمهم خرق الإجماع والنصوص الدالة على وجوب الرضا بالقضاء ، وهو : أنّ الله تعالى يفعل القبائح بأسرها ، ولا مؤثر في الوجود غير الله تعالى . . . فتكون القبائح من قضاء الله تعالى على العبد وقدره ، والرضا بالقبيح حرام بالإجماع ، فيجب أن لا يرضى بالقبيح ، ولو كان من قضاء الله تعالى لزم إبطال إحدى المقدمتين ، وهي : إمّا عدم وجوب الرضا بقضائه تعالى وقدره ، أو وجوب الرضا بالقبيح ، وكلاهما خلاف الإجماع . أمّا على قول الإمامية من أنّ الله منزّه عن الفعل القبيح والفواحش ، وأنّه لا يفعل إلا ما هو حكمة وعدل وصواب ، ولا شك في وجوب الرضا بهذه الأشياء لا جرم كان الرضا بقضائه وقدره على قواعد الإمامية والمعتزلة واجباً ، ولا يلزم منه خرق الإجماع في ترك الرضا بقضاء الله ، ولا في الرضا بالقبائح . انتهى كلامه رفع مقامه . قلت : موت الأنبياء والأئمة ( عليهم السلام ) وحلول المصاعب والبلايا بهم أيضاً ممّا تعلق به القضاء ، مع أنّ الرضا به غير حسن ؛ لأنّه مستلزم لانقطاع الخيرات وانفتاح السيئات ، بل ربّما يكون فسقاً أو كفراً ، وكذا الشرور النازلة بالإنسان من الأمراض والفقر وموت الأحبّة ونحوها أيضاً من أفعاله تعالى ومقضيّ بها ، مع أنّ الإنسان بطبعه متنفّر منها ولا يرضى بها أصلا ، فكيف يعقل إيجاب الرضا بها عليه ؟ ! بل ورد فيه الشرع أيضاً الأمر بإزالتها بالتداوي والكسب والدعاء ونحوها ، فالإشكال لا يختصّ بالمجبّرة ، بل يعمّ غيرها أيضاً . نعم ، وروده عليهم أقوى . وبالجملة : لا بد للجمع بين الرضا بالقضاء وهذه الأمور من حيلة يدفع بها التنافي ،
هامش
( 1 ) - إحقاق الحقّ 1 / 456 .