الضروري أنّ الأصنام الجامدة لا إضلال لها بوجه ، غير أنّها حيث صارت مرجحة لإرادتهم عبادتهنّ وترك طاعة الله تعالى نسب الإضلال إليها .
ويقول شيخ الأنبياء - على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام - : ولم يزدهم دعائي إلا فرارا . ومن المعلوم أنّه دعاهم إلى القرار دون الفرار ، يقول الله تعالى :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ،
ويقول :
هُدىً لِلنَّاسِ
، ثم يقول :
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً ،
ويقول :
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ .
ومن الظاهر أنّ القرآن نزل لهداية الناس وسعادتهم ، لا لإضلالهم وإغوائهم ، فنسب الطغيان والكفر وزيادة الرجس إليه من جهة ما ذكرنا لك ، ألا ترى إلى الآية الأخيرة تبيّن أنّ سورة واحدة تزيد المؤمنين إيماناً والكافرين رجساً ، وهذا كالنصّ فيما قلنا ، وأنت إذا تنبّهت لذلك تعلم أنّ المراد من الإضلال المنسوب إليه تعالى في جملة من الآيات ذلك ، وعليه فلا محذور فيه أصلًا .
فإنّ الضلال يستند إلى إرادة الضالّ واختياره ، لا إلى إرادة الله تعالى ، ومن هذه الجملة قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
، وقوله :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
، وقوله تعالى :
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ
. إلى غير ذلك من الآيات .
ثم إنّ لبعض المعتسفين « 1 » إيراداً على هذا الوجه من جهة إنزال المتشابهات القرآنية ، لكنّه يندفع بأدنى توجّه إلى ما قرّرنا ، فلذا تركنا نقله ونقده .
الوجه الثاني من الوجهين اللذين يمكن أن يحمل عليهما الضلالة : هو التخلية بين العبد وما
هامش
( 1 ) - وهو الرازي في تفسيره 1 / 361 حول قوله :وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ.