هَدى
وأعلم أنّ الأمّة مجمعة على أنّ الإضلال بهذا المعنى لا يجوز على الله تعالى ؛ لأنّه ما دعا إلى الكفر وما رغّب فيه ، بل نهى عنه وزجر وتوعّد بالعقاب عليه ، وإذا كان المعنى الأصلي للإضلال في اللغة ليس إلا هذا ، وهذا المعنى منفيّ بالإجماع ، ثبت انعقاد الإجماع على أنّه لا يجوز إجراء هذا اللفظ على ظاهره ، وعند هذا افتقر أهل الجبر والقدر إلى التأويل ، أمّا أهل الجبر فقد حملوه على أنّه تعالى خلق الضلال والكفر فيهم وصدّهم عن الإيمان وحال بينهم وبينه . . . إلى آخره .
أقول : سبحانك هذا بهتان عظيم وإفك مبين ! تكاد السماوات يتفطّرن من قوله ، يقول : إنّه تعالى ما دعا إلى ترك الدين ! ثم يقول : إنّه تعالى خلق في المكلفين ترك الدين ! ! يقول : ذم الله إبليس وفرعون على إضلالهما الناس ودعائهما إيّاهم إلى ترك الدين ! لكنّه يخلقه فيهم ، وهو حسن محض ! هكذا في سنة هذا القوم ، نقول لهم : هذا الذي أضلّه الله وخلق فيه الضلالة على زعمكم هل هو قادر على عمل الطاعات ، أو لا ؟ والأول يبطل مذهبكم ، والثاني ينفي تكليفه ؛ لأن الله يقول :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ،
وإنّي لا أظنّ بهؤلاء أن يلتزموا بسقوط التكليف عن الكفّار والظالمين والمسرفين ، فهذا يستكشف أنّ في وسعهم عمل الخير ، وهم غير مجبورين ، كما هو محسوس أيضاً ، فيعلم من ذلك - علماً قطعياً - أنّ معنى الإضلال المنسوب إليه تعالى ليس بمعنى خلق ترك الدين ، كما أنّه ليس بمعنى الأمر بترك الدين والترغيب عنه ودعائه الناس إلى المعصية .
وقال بعض السادة المعاصرين « 1 » : لا يخفى أنّ جميع ما ذكر من هذه الوجوه ( أي الوجوه السبعة التي ذكرها السيد المرتضى والمجلسي - رحمهما الله - في توجيه قوله تعالى :
أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
، إنّما هو للفرار من نسبة فعل القبيح إليه تعالى ، فإن الحيلة والمكر والأمر بالمعصية ، وبالجملة كلّ ما هو إضلال بوجه قبيح من الحكيم فلا ينسب إليه تعالى ، إلا أنّ ظاهر الكتاب أنّ جميع ذلك منه تعالى فيما نسب إليه من قبيل المجازات على المعاصي ، قال تعالى :
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ،
وقال :
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ
هامش
( 1 ) - هامش البحار 5 / 207 ، وفصله في تفسيره ( الميزان ) أيضاً .