تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
قُلُوبَهُمْ .
ولا يقبح الإضلال وكل ما يرجع إليه إذا كان بعنوان المجازات ، كما لا يخفى . انتهى . أقول : إن أراد بالإضلال الدعاء والتكليف بترك الدين كما يدلّ عليه قوله : « والأمر بالمعصية » فهو مقطوع البطلان ، فإنّ الله لم يرسل رسولًا ولم ينزّل كتاباً إلى الكفّار يدعوهم إلى الكفر والفسق ، بل دعا لناس بأسرهم إلى الإيمان والطاعة في جميع حالاتهم ، وقال في كتابه :
إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
، وقد مرّ نقل إجماع الأمّة على بطلانه . وإن أراد به خلق الضلالة فيهم بحيث لا يقدرون على إزالتها وسلوك الطريقة الحقة كما يقول به الجبرية ، فهذا مع كونه خلاف الحسّ يبطل تكليفهم ، كما قرّرنا وجهه . لا يقال : الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار . فإنّا نقول : نعم ، لكنّه عقاباً لا تكليفاً على القول الصحيح ، وتفصيله في أصول الفقه . ومما يدل على بطلانه قوله تعالى :
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ،
فأخبر عن إيمان من طبع على قلبه وعدم عجزه عنه ، وإن أراد به خلقها على نحوٍ غير منافٍ لاختياره ، كما إذا كانت الضلالة المخلوقة المذكورة مقتضية للمعاصي ، لا علة تامة ، فهذا لا محذور فيه ، لكن استفادة ذلك من القرآن على نحو يعتمد عليه في جميع الموارد مشكلة . فالأولى أن يحمل الإضلال المذكور في الآيات المشار إليها على أحد الوجهين : الوجه الأول أنّ بعض أفعاله يكون سبباً لأنّ يتصف الناس - بسوء اختيارهم - بالضلالة ، فإنّه تعالى كلّف الناس بالإيمان والعمل الصالح ، فتمرّد عن قبوله جماعة فضلوا عن الطريق القويم ، كما امتثله قوم فاهتدوا وصاروا من السعداء ، فلو لا تكليفه تعالى لمّا تبرّزت ضلالة الأولين ولا اهتداء الآخرين ، وهذا واضح ، فضلالة الضالّين وإن كانت تابعة لمحض اختيارهم وإرادتهم ، لكنّ الذي تتحق به الضلالة هو تكليف الله تعالى ، فكأنّه هو الموجب لضلالتهم ؛ فلذا أسندها إلى نفسه ، وقال :
يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ ،
ومثل هذا الإسناد والنسبة شائع في العرف ، وكفاك فيه قول خليل الرحمن ( ع ) كما في القرآن :
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ ،
وقوله تعالى حاكياً عن نوح ( ع ) :
وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً ،
إذ من