تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
أقول : قد تقدم في الجزء الأول : أنّ للإرادة معنيين . 1 - الإيجاد والإفاضة . 2 - ذكر الأشياء في اللوح . ومرّ أيضاً أنّ جميع الأشياء قد ذكرت في اللوح ، وتعلّق المشيئة بهذا المعنى بعموم الأشياء ممّا لا ربط له بالجبر أصلًا ، بل حاله حال علمه بها في أنّه كاشف ، لا سبب كما مرّ ، لكنّ حمل المشيئة المذكورة في الآيات على هذا المعنى خلاف الظاهر . والحقّ أن يقال : إنّ إرادة الله تعلّقت بكل شيء حتى بالأفعال الاختيارية من دون أن يستلزم الجبر ! إذ الواجب يفيض على الممكن في بقاء وجوده وصدور أفعاله آناً فآناً ، سواء في حال صلواته أم في حال زناه ، كما بيّناه سابقاً ، وإرادته ليست إلا إفاضته ، كما قرّرناها في الجزء الأول ، فثبت أنّ الجميع مراد له ، والكلّ من عند الله تعالى . لكنّها مرادة له بالإرادة التكوينية ؛ لأنّ الله تعالى أراد وقوع ما يختاره العبد في الخارج ، وهذا بعد الإحاطة بما مضى واضح بحمد الله تعالى . فمذهب الإمامية غير موقوف على تأويل الآيات الكريمة وهدم ظواهرها كما يتوقف عليها بناء الجبر والقدر ، بل القائل بالأمر بين الأمرين يرى توافق الآيات في هذا الباب ، وهذا من ألطف الأمور وأعجب الرموز ، فتبصّر وكن على بصيرة من موقفك . وفي رواية الفضيل ، عن الصادق ( ع ) « 1 » : « شاء وأراد ، ولم يحبّ ولم يرض . . . » إلى آخره . وأمّا تعلق إرادته تعالى بأفعالنا على نحو تعلّقها بأفعاله فهو واضح الفساد ، فإنّه من محض التناقض وصرف التهافت ، كما قرّرناه في المقالة الثالثة ، فلاحظ . ثم إنّ في بعض الروايات « 2 » : « إنّ الله جعل قلوب الأئمة مورداً لإرادته ، فإذا شاء الله شيئاً شاؤوا ، وهو قوله :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ .
أقول : وهذا مقام عالٍ لا يتيسر لأحد غيرهم سلام الله عليهم ، وهو اختيار محض في صورة الاضطرار ، ولعلّه المراد بقول حافظ : در پس آئينه طوطي صفتم داشته‌اند آنچه أستاذ أزل گفت بگو ، آن گويم الطائفة الثالثة : ما دل على أنّه تعالى يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء ، وهذا القسم أكثر من
هامش
( 1 ) - البحار 5 / 51 . ( 2 ) - البحار 5 / 114 ، وتفسير البرهان 4 / 435 .