تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
والذي يهمّ في المقام تعرضه هو ثلاث طوائف من الآيات ، فنقول : الطائفة الأولى : ما دل على أنّ الله خلق كل شيء ، كقوله تعالى :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
« 1 » ، وقوله :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ . . .
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ
« 2 » ، وقوله :
أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
إلى غير ذلك . وامّا قوله تعالى :
أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
، فالظاهر بقرينة الصدر أنّ كلمة « ما » موصولة ، لا مصدرية ، فهو أجنبي عن المقام ، إذ معنى الآية حينئذٍ : أنّ الله خلقكم والأحجار التي تنحتونها ، وقد اعترف الرازي في تفسيره أيضاً بذلك ، فلاحظ . وعلى الجملة : هذه الآيات تدلّ على أنّ الأشياء - ومنها أفعال العباد الاختيارية - مخلوقة لله تعالى ، وهذا هو معنى الجبر الذي يدّعيه المجبّرة . والجواب عنها : أولًا : أنّ الخلق بمعنى التقدير ، كما قيل في قوله تعالى :
خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ
، وعلى هذا فالآيات المذكورة أجنبية عن المقام ، فإنّ تقدير الأشياء أزلًا لا ينافي الاختيار ، كما يأتي إن شاء الله . وثانياً : أنّ عموم هذه الآيات غير ثابت حتى عند الأشاعرة ، فإنّهم يخصّمونه بغير صفاته الثمانية القديمة القائمة بذاته تعالى ، الصادر عنه بنحو الإيجاب والاضطرار دون الخلق والاختيار ، كما صرّح به إمامهم الرازي . قال في تفسير سورة الأنعام : وجواب أصحابنا : أنّا نخصّص هذا العموم بالدلائل الدالة على كونه تعالى عالماً بالعلم . . . إلى آخره ، فإذن يصح لغير الجبري أن يخصّصه بالأدلة الدالة على اختيار العبد . وثالثاً : أنّه لا عموم لها ليشمل الأفعال الاختيارية من الأول لكي نحتاج في خروجها عنه إلى مخصّص ؛ وذلك لأنّ المخصّص إذا كان متصلًا لا ينعقد للعام ظهور في عمومه من الأول ، إلا في غير ما شمله المخصّص ، فإذا قلنا : أكرم كل عالم عادل ، كان الموضوع من الأول هو العالم المتصف بالعدالة ، لا مطلق العالم ، وهذا واضح ، وقد تقرر في أصول الفقه أنّ المخصّص كما
هامش
( 1 ) - النساء / 79 . ( 2 ) - الأنعام / 102 .