يكون لفظياً كذلك يكون عقلياً ، كما أنّ كلّاً منهما قد يكون متصلًا وقد يكون منفصلًا .
والمراد بالمتصل العقلي : وضوح حكم شيء عند العقل بحيث لو ألقي عام أو مطلق شامل له بحسب وضع اللغة ، مخالف له في الحكم لم يكن للّفظ ظهور بالنسبة إليه ، ولم يدل عليه بحسب ما هو المتعارف بين العقلاء في باب الإفادة والاستفادة من الخطابات ، بل العام المذكور ينصرف إلى غيره ، فإذا قيل : أطعم كل أحد ، وخذ كل شيء لا يشمل لفظاً الأحد والشيء الواجب الوجود والأموات والسحاب والهواء والشمس والقمر ، وغير ذلك من الأمور الظاهرة عند العقل في أنّها لا تقبل الأخذ والإطعام ، وهذا الظهور العقلي يضيّق دلالة اللفظ من الأول ، فلا تتم إلا في غير الأمور المذكورة ، والمقام كذلك ، فإنّ استناد أفعالنا الاختيارية إلى إرادتنا وتأثير قدرتنا ولو في الجملة ضروري فلا ينعقد للآيات الشريفة ظهور بالنسبة إليها من الأول ، فافهم جيداً . گ
ورابعاً : أنّه تعالى قال عن أفعاله :
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
. ومن الظاهر أنّ المعاصي والآثام وقتل الأنبياء والأولياء لا حسن فيها ، بل فيها القبح كل القبح ، فلا بد من الالتزام بمدخلية العبد في إيجادها حتى تتوجّه المعايب المذكورة إليه ، لا إلى الله الحكيم العليم . وأيضاً أنّه تعالى قد مدح نفسه في تلك الآيات بعموم الخلقة مع انتفائه بخلق القبائح التي لا يرضى بها هو تعالى أيضاً .
وخامساً : أنّها معارضة بقوله تعالى :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
، فقد أخبر بوجود خالقين غيره .
وللرازي في تفسيره هذه الآية اضطراب عجيب ، وكلام غريب ، ولم يستطع هدم دلالتها أصلًا .
وبقوله تعالى حاكياً عن السامري :
لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ ،
وبقوله حاكياً عن عيسى ( ع )
أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ
، ووجه الجمع خروج الأفعال الاختيارية عن خلقة الله تعالى التامة المستقلة .
وسادساً وهو الأقوى من مقام الجواب : أنّ تلك الآيات إنّما تنافي مذهب التفويض ، لا ما عليه أهل الحق من الأمر بين الأمرين ، فإنّ الأفعال صادرة عن فاعليها بما يفيض الله عليهم من إبقاء وجودهم وإعطاء القوة لهم في كلّ آن ، وليس للعبد إلا إبراز تلك القوة ، فكما يصح استناد