المقالة الثامنة : في دلالة القرآن المجيد
استدلّ المجبّرة والمفوّضة القدرية بجملة كثيرة من الآيات المباركة القرآنية على إثبات الجبر والتفويض ، حتى تمسّكوا بآية واحدة لتصحيحهما ، ولهم كلمات عجيبة غريبة في مقام النقض والإبرام والدفع والإيراد ، كما يفهمها من لاحظ تفسير الرازي الجبري .
واعلم أنّه لا دلالة للقرآن - ولو ضعيفة - على التفويض أصلًا ، بل الآيات الشريفة تبطله ، مثل قوله تعالى :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
، وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ
، وغيرهما .
وأمّا الآيات الدالة على الاختيار وإسناد الأفعال إلى العباد ، أو على ما يتوقف على الاختيار كالآيات الدالةعلى التكليف والوعد والوعيد وأمثالها فلا مساس لها بالتفويض ؛ لعدم الملازمة بينهما ، بل هنا أمر آخر - وهو الأمر بين الأمرين - يحقق الاختيار ، ولا يستلزم التفويض ، فهذه الآيات الكريمة وإن تبطل بالجبر لكنّها لا تثبت التفويض ؛ لإمكان نظارتها إلى الأمر بين الأمرين .
وأمّا الآيات الدالة على بطلان الجبر فكثيرة جداً ، بل القرآن من أوّله إلى آخره - سوى بعض آياته - يدلّ على الاختيار وبطلان الجبر والاضطرار ، فقولنا : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم « 1 » ، وبسم الله الرحمن الرحيم ، لا يتمّ إلا على القول بالاختيار ؛ إذ لا معنى للاستعاذة عن فعل الله تعالى بالله ؛ وذلك لأنّ إغواء الشيطان بناءً على مذهب المجبّرة من فعل الله وخلقه فكيف يعوذ العبد منه ؟ ! وأين معنى الرحمة وهو يعذب عباده على ما يخلق فيهم بمحض إرادته النافذة ؟ ! وكذا لا يصحّ قولنا : . . . من شرّ الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس . فإنّ حال الخنّاس في وسواسه كحال السكّين في قطعه رأس أحد ! وإنّما الفاعل هو الله تعالى ، بل الصحيح أن يدّعى حينئذٍ هكذا : أعوذ من شرّ الله تعالى الذي يوسوس . . . إلى آخره ! ( نعوذ بالله من هذا القول ) . بل عرفت أنّ أساس التشريع وأصل إنزال الكتب وإرسال الرسل مبنيّان على الاختيار وعدم الاضطرار ، ومعه لا يحسن أن نذكر الآيات الدالة على الاختيار وبطلان الجبر كما ذكرها الأصحاب وبوّبوها أبواباً ، وإنّما المهمّ أن نتعرض للآيات التي تخيّلها المجبّرة - الجهمية والأشعرية - دلالتها على الجبر ، وأن نبيّن وجه خبطهم وغلطهم ، وفي ذلك فوائد مهمة .
هامش
( 1 ) - كما نقرؤه امام القراءة وفي التنزيل :فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ . . ..