تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
فهذا هو الفصل بين الجبر والتفويض . . . انتهي . 3 - تفويض أمر الخلق والرزق إلى حجج الله تعالى ، وفي بعض الروايات : أنّ القائل به مشرك . 4 - تفويض التشريع إلى العباد . أقول : وفي هذا القسم الأخير بحث سيمرّ بك في مبحث النبوة والإمامة ، وستعرف أنّ النبيّ الخاتم ( ص ) قد فوّض إليه التشريع ، فانتظر . وعلى الجملة : أنّ التفويض بجميع معانيه المذكورة فاسد قطعاً ، سوى ما وعدناك ببيانه فيما بعد ، وأمّا التفويض بالمعنى الذي ذكرناه سابقاً من عدم احتياج العبد في أفعاله إلى الله تعالى « وإن كان العبد وأفعاله مقدورين لله تعالى » فلم نجد رواية صريحة على بطلانه ، ولعلّه لم يكن دائراً بين الناس في تلك الأعصار ، والله أعلم . وأمّا الجبر فلعلّ المستفاد من الأخبار المذكورة أنّ له معاني ثلاثة : 1 - ما ذكره هؤلاء الناس من عدم قدرة العبد على أفعاله وسلب الاختيار عنه ، ولعلّه مدلول أكثر الأخبار . 2 - التكليف بما لا يطاق . 3 - الأمر بالمعاصي . والجميع واضح البطلان . إذا عرفت ذلك نذكر لك بعض الروايات : 1 - صحيحة الجعفري ، عن الرضا ( ع ) « 1 » قال : ذكر عنده الجبر والتفويض ، فقال : « ألا أعطيكم في هذا اصلًا لا تختلفون فيه ، ولا يخاصمكم عليه أحد إلا كسر تموه ؟ » ، قلنا : إن رأيت ذلك ، فقال : « إنّ الله عز وجل لم يطع بإكراه ، ولم يعص بغلبة ، ولم يمهل العباد في ملكه ، هو المالك لما ملكهم ، والقادر على ما أقدرهم عليه ، فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله عنها صادّاً ولا منها مانعاً ، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل ، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه » ، ثم قال ( ع ) : « من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه » . قوله ( ع ) : « لم يطع بإكراه » ، ردّ على المجبّرة مع الإيماء إلى دليله ، فإنّ العبادة - على قولهم - واقعة بقدرة الله وإرادته ، لا بإرادة العبد ، والعبادة غير الاختيارية غير مطلوبة من المكلفين ، إذ لو شاء الله تلك هدى الناس أجمعين ، ولذا قال تعالى :
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
، بناءً على أنّ المراد بالإكراه هو الجبر ، كما في تفسير بعض الأعاظم من أساتيذنا الأصوليين .
هامش
( 1 ) - بحار الأنوار 5 / 16 . نقلًا عن توحيد الصدوق .
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 215 | الشيخ محمد آصف المحسني