تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
مسلكنا أيضاً ، وأمّا مان في جملة من الروايات : « أنّ الله أولى من العبد بالحسنات ، والعبد أولى منه بالسيئات » ، بل في التنزيل :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
« 1 » ، فالوجه فيه : أنّ الحسنة بإرشاد الله وهدايته وأمره ، والسيئة من سوء اختيار العبد واشتهاء نفسه ، والله تعالى نهى عنها وتوعّد عليها ، فالأولوية بهذا الاعتبار ، وإلا فلا فرق بين الحسنات والسيئات من ناحية الإفاضة والتمكين وتمكّن العبد أصلًا ، وفي بعض تلك الروايات : « وبنعمتي أدّيت إليّ فرائضي ، وبقدرتي قويت على معصيتي » ، وهذا ظاهر ، ولذا لم يفصل أحد بينهما . لكنّ الذي يوجب رفض هذا القول هو عدم كفاية صحة الفعل إلى العبد لصحة التكليف واستحقاق الجزاء ، بل ولما هو المشهود وجداناً وعياناً من اختيارنا ، ما لم يقل : إنّ العبد متمكّن من الفعل والترك على نحوٍ أسفلناه ، وإلا فنسبة وجودنا وبعض صفاتنا إلينا أيضاً صحيحة بلا شائبة عناية ، ومع ذلك هو خارج عن قدرتنا وإرادتنا . وعلى الجملة : إن قالوا مع ذلك بتمكّن العبد من الترك والفعل كما قلنا فقولهم هو الأمر بين الأمرين ، وإن لم يقولوا - كما هو الظاهر - فهو جبر محض يبطله الوجدان قبل البرهان . ومنها : ما قيل من أنّ المراد من الأمر بين الأمرين كون بعض الأشياء باختيار العبد وهي الأفعال الاختيارية ، وبعضها بغير اختياره ، كالصحة والمرض والنوم وأشباهها . أقول : وضعفه ظاهر ، فإنّ الأول تفويض محض ، والأمثلة في الشقّ الثاني قد تكون اختيارية ، وقد تكون اضطرارية قهرية ، على أن المفوضة أيضاً لم يدّعوا أنّها اختيارية دائماً . ومنها : ما ذكره الفاضل الطريحي في مجمع البحرين في مادة ( القدر ) ، قال : والذي يظهر من كثير من الأحاديث أنّ العبد ليس قادراً تاماً على طرفي فعله ، كما هو مذهب المعتزلة ، وإنّما قدرته التامة على الطرف الذي وقع منه فقط ، وأمّا على الطرف الآخر فقدرته ناقصة ، والسبب في ذلك - مع تساوي نسبة الأقدار والتمكين منه تعالى إلى طرفي الفعل - أمر يرجع إلى نفس العبد ، وهو إرادة أحد الطرفين دون الآخر ، لا من الله فيلزم الجبر . . . فالقدرة التامة للعبد على ما زعمه المعتزلة باطلة ، والقول بعدم القدرة على شيء من الطرفين كما زعمه الأشعرية أظهر بطلاناً ، والحقّ ما بينهما هو القدرة التامة فيما يقع من العبد فعله ، والناقصة فيما لم يقع . . . إلى آخره . أقول : فساده واضح ، وعدم دلالة الأحاديث عليه لائح .
هامش
( 1 ) - النساء / 79 .