تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
أسفاره وإنّما ذكرهما تفنّناً . وأمّا الوجه الثالث فهو بعد لم يخرج عن ميدان الادّعاء ، فهو مصادرة ، كما لا يخفى . وأمّا الآيات القرآنية فما اشتمل منها على رؤية الأعمال يوم القيامة غير مربوط بالمقام ، فإنّ المدّعى أنّ الأعمال تتجسّم في القبر والقيامة بأشكال موجودات منعّمة ومعذّبة ، كالحور والغلمان والفواكه والسرور وغيرها ، وكالحيّات والعقارب والنار والزقّوم وأمثالها ، فيلتذ بها الإنسان أو يتأذي بهما ومجرد رؤية العمل بتجسّمه لا يدل على أنّه الثواب نفسه أو العقاب ، بل لعلّ تجسّمه لأجل تثبيت عمله عليه ليرى عيناً ، فيكون أو كد في إقناعه أو سروره أو انفعاله ، ولعلّ قوله تعالى :
تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
ناظر إلى ذلك ، أي من جهة انفعاله به ، فتأمّل . وأمّا العقاب والثواب المحقّقان بالنار ودخول الجنة ونحوهما فهما موجودان مستقلّان مبائنان للعمل ، مستندان إلى إرادة الله تعالى جزاءً على عملهم ، بل يمكن أن يقال : إنّ الرؤية لا تستلزم التجسّم أبداً ؛ لما ينقل عن بعض الرياضيين ممّن قارب عصرنا من أنّ الأفعال والحركات محفوظة في محالّها ممكنة الرؤية في حدّ نفسها ، فلو قويت باصرة البشر أو حاز حاسّة سادسة لرآها بعينها ، فإن شرائط الرؤية في الأرض وبعض المجرّات الأخرى ، لعلّها تختلفه . فتأمل . وبالجلمة : لو لم نقل : إنّ المستفاد من هذه الآيات الكريمة حسب متفاهم العرف العام - وهم المخاطبون بالخطابات القرآنية - هو رؤية جزاء العمل ، لما دلت على مقصودهم ، أيضاً ، كما عرفت ، ومنه يظهر الحال في قوله تعالى :
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا
، فإنّه لا يدل على كون العمل عقابا ، ولا على تجسّم العمل ، والعمدة قوله :
إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
، لكن قوله تعالى :
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
ينافيه ، فلا يبقى مجال للاعتماد على ظهوره . ثم إن هنا وجهين - آخرين يدلان على نفي عموم التجسّم المذكور . الأول : ما في كثير من الآيات من استناد الثواب والعقاب إلى الله تعالى ، وإنّه هو المثيب والمعاقب ، وأمّا ما سبق من بعضهم من أنّ الاستناد المذكور إنّما هو لأجل إفاضة الصورة فهو خلاف متفاهم العرف ، إلا أن يقال أن استثنا شيء إلى الله تعالى - وهو الله - البعيدة ، وإلى غيره