- وهو علّة قريبة ، غير ضائرة أن ثبت تجسّم العمل .
الثاني : وجود الجنة والنار فعلًا وقبل هذا ، بل قبل وجود المكلفين ، كما يستفاد من جملة من الآيات والروايات ، وسيأتي تفصيله في المقصد الثامن إن شاء الله .
وجه الدلالة : أنّ النشأة الآخرة بعد لم تبرز حتى تتجسّم الأعمال فيها ، بل لم يوجد أعمال جميع المكلفين في هذه النشأة أيضاً ، فكيف وجدت الجنة وجهنم فعلًا مع أنّهما مجسّم الأعمال الصالحة والطالحة ؟
ثم إنّ هذه الدعوى إن تمّت لتمّت في خصوص العقاب الأخروي « 1 » ، وأمّا العقاب الدنيوي كما في الحدود فلا مسرح لها ، كما لا يخفى ، ولا أدري ما هو الوجه عندهم لاستحقاق قتل القاتل بقتل المقتول ، مع أنّ القاتل المجبور لا ذنب له ؟ !
ولعمري إنّ حديث التجسم بنحو العموم بحيث تكون الجنة والنار وما فيهما مجسّمة أعمالنا من مادة أخرى مخلوقة لله تعالى مقطوع البطلان بلحاظ دلالة القرآن .
نعم ، لا مانع من الالتزام به في الجملة من جهة قوله تعالى :
وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
، وبشهادة قوله :
وَلا يَظْلِمُ
. ومن جهة الروايات إن صحت سندا .
الأمر الثاني : في تصحيح العقاب به على تقدير تماميته ، فنقول : العمل الصادر من العبد إمّا علة تامة لإفاضة الصورة من قبل الله تعالى ، بحيث لا يمكن التخلف عنه ، أم لا ، بل الإفاضة باختيار الواجب وإرادته ، وعلى كلا التقديرين فلحوق المجسّم المذكور بالعامل إمّا ضروري لا يمكن انفكاكه عنه ، وإمّا ممكن وتابع لإرادة الله تعالى . هذه احتمالات أربعة ، أحدها باطل قطعاً ، وهو فرض أنّ العمل علة تامة لإفاضة الصورة ، وكون لحوقها بالعامل ضرورياً .
وجه البطلان : أنّ الشفاعة والتوبة والعفو الإلهي ممّا يسقط الذنوب بلا إشكال ، والاحتمال المذكور لا يجامع سقوط الذنب على الفرض ، فيكون باطلًا قطعاً . وأيضاً قد تقدم - في محلّه - أنّ الله فاعل مختار يمكنه الفعل والترك ، والمستفاد من الآيات الكثيرة أنّ العذاب والثواب بإرادة الله ومشيئته . فبطلان هذا الاحتمال فليكن مفروغاً عنه . ( فافهم ) .
وأمّا بقية الاحتمالات فكلّ منها ثبت بالدليل لا يمكن أن يندفع به إشكال العقاب ؛ إذ يقال : إن صدور الفعل عن العبد ضروري قهري غير داخل تحت اختياره فكيف يعذّبه الله تعالى عليه ، مع أنّه مختار ومتمكن من دفعه عنه ؟ ! ولا جواب عنه أبداً .
وما تقدم من بعضهم من أنّ العمل مادة مستعدّة ومستحقة لإفاضة الصور ، والله واهب يهب
هامش
( 1 ) - بأن يدعى أنّه جزاء طبيعي لا وضعي .