زيادة بحث عن بطلانه .
الثاني : ما ذكره جملة من الفلاسفة ، بل نسب إلى جميعهم من الالتزام بتجسّم الأعمال ، وأنّ المثوبة والعقوبة من تبعات الأفعال ولوازم الأعمال .
قال صاحب الأسفار « 1 » في مقام الجواب عن اعتراض معاقبة الله المكلفين على معاصيهم الصادرة بقضاء الله وقدره لا باختيارهم : والجواب على مقتضى قواعد الحكماء : أنّ الله غني عن العالمين وطاعة المحسنين ومعصية المسيئين ، وإنّما الوارد على النفس بعد مفارقة الدنيا إنّما هو على تقصيرها وتلطيخ جوهرها بالكدورات المؤلمة والظلمات المؤذية الموحشة ؛ لا أنّ عقابها لمنتقم خارجي يعاقبها ويؤذيها . . . كما تتوهّم النفوس العامية . . . فإنّ العقوبات هنالك - أي في الآخرة - من لوازم أعمال وأفعال قبيحة ونتايج هيئات ردية وملكات سيئة ، فهي حمّالة لحطب نيرانها ومعها وقود جحيمها ، فإذا فارقت النفس البدن متلطّخة بالملكات المذمومة والهيئات المرذولة وزال الحجاب البدني ، وفيها مادة الشعلات الجحيمية وكبريت الحرقات الباطنة والنيران الكامنة فشاهدتها بعين اليقين وقد أحاطت بها سرادقها . . . كما قال الصادق ( ع ) : إنّما هي أعمالكم ترد عليكم . . . إلى آخره « 2 » .
أقول : هذا البحث أجنبي عن موضوع النزاع ، فإنّه إنّما يدفع السؤال القائل بأنّ الله تعالى لم يعاقب العبد ولو كان مستحقاً للعقاب بارتكابه المعاصي فإنه تعالى غنيّ عنه غير مفتقر إليه ؟
وجه الدفع : أنّ العقاب مجسّم من عمله ، لا أنّه وارد عليه من الله تعالى ، وأمّا إثبات استحقاق العقاب فالبحث المذكور لا يثبته ، ولا ينظر إليه أصلًا ، والمفروض أنّ العقلاء يرون المتمرّدين مستحقين ومستأهلين للعقاب والعتاب ، ومع فرض كون المكلف مجبوراً ومضطراً في أفعاله لا يستحق ثواباً ولا عقاباً فسقط هذا القول أيضاً .
إلا أن يقال « 3 » : إنّا لا نقول بالعقاب من أجل حكم العقلاء بالاستحقاق حتى يرد علينا اعتراض انتهاء الفعل إلى ما لا بالاختيار .
بل نقول : بأنّ الفعل الناشئ عن هذا المقدار من الاختيار مادة لصورة أخروية ، والتعبير بالاستحقاق بملاحظة أنّ المادة حيث كانت مستعدّة فهي مستحقة لإفاضة الصور من واهب الصور ، ومنه تعريف أنّ نسبة التعذيب والإدخال في النار إليه تعالى بملاحظة أنّ إفاضة تلك
هامش
( 1 ) - في مباحث الخيرات والشرورة في المجلد الثاني من أسفاره . الطبعة القديمة .
( 2 ) - وللحديث تتمة ذكرها في بعض فصول المعاد من الأسفار ، وهي : فالتزموا مكارم الأخلاق ، فإنّ الله يعاملكم بما عاملتم به عباده .
( 3 ) - كما احتمله في نهاية الدراية 1 / 178 .