لكن القصد نفسه حيث يكون اختيارياً فلا ينافي الترتب المذكور اختيارية الفعل ، وأن إرادة الله تعالى هو إحداثه وإفاضته التابعة لعلمه بالمصلحة على نحو لا ينافي اختياره . تدري أنّ الوجوه الأربعة من الإيراد المذكور في كلام بعض الأعيان من أهل المعقول « 1 » غير واردة على المختار ، بل هي ساقطة من رأس . كما أن ما ذكره الفارابي في الفصّ السادس والخمسين من فصوصه من الإشكال على اختيار الممكن ، أيضاً ساقط بعد الإحاطة بما ذكرنا ، وقد تقدم بعض الكلام عليه في القاعدة السابقة ، حيث ذكر مثله صاحب الأسفار فزيّفناه ، فلا نطيل المقام بذكر الوجوه المشار إليها وردّها تفصيلًا ، مغموم إرادته تعالى بشمولها الأفعال الإنسان - مثلًا - مقرونة بهذا المعنى - أي إفاضة القوّة والقدرة في كلّ لحظة - مقرونة باختياره - أي له أن يستعمل هذه القدرة المفاضة ، وله ألّا يستعملها ، لا يستلزم الجبر بوجه ، فافهم المقال تصب الحق . والله الهادي .
المقالة الخامسة : في مذهب الحكماء
قال الحكيم الشيرازي في مبحث عموم إرادة الله تعالى : وذهبت طائفة أخرى وهم الحكماء وخواص أصحابنا الإمامية ( رحمه الله ) إلى أنّ الأشياء في قبول الوجود من المبدأ المتعالي متفاوتة ، فبعضها لا يقبل الوجود إلّا بعدوجود الآخر ، كالعرض الذي لا يمكن وجوده إلا بعد وجود الجوهر ، فقدرته تعالى على غاية الكمال يفيض الوجود على الممكنات على ترتيب ونظام بحسب قابليتها المتفاوتة بحسب الإمكانات ، فبعضها صادرة عنه تعالى بلا سبب ، وبعضها بسبب واحد أو أسباب كثيرة ، فلا يدخل مثل ذلك في الوجود إلا بعد سبق أمور هي أسباب وجوده ، وهو مسبّب الأسباب من غير سبب ، وليس ذلك لنقصان في القدرة ، بل لنقصان في القابلية وكيف يتوهّم النقصان والاحتياج مع أنّ السبب المتوسط أيضاً صادر عنه . . . إلى آخره .
قال السبزواري في حاشيته : وحاصل هذه الطريقة : أنّ الله تعالى يوجد القدرة والإرادة في العبد ، ثم هاتان القدرة والإرادة توجبان وجود المقدور ، فالله تعالى فاعل بعيد ، والعبد فاعل قريب في هذه الطريقة . . . والفرق بينها وبين طريقة المعتزلة ظاهر ؛ لأنّ المعلول لا يحتاج إلى العلة في البقاء عند المعتزلة ، بخلافه عند المحقق وغيره - انتهى - أي المحقق الطوسي الذي هو كالأصل في إبراز هذا القول في شرح رسالة العلم ، وقد أوضح هذه الطريقة اللاهيجي في « گوهر
هامش
( 1 ) - نهاية الدراية في شرح كفاية الأصول 1 / 168 .