وأمّا ما في « الأسفار » و « گوهر مراد » من نسبة هذا القول إلى جملة من علماء الإمامية فهي غير ظاهرة حتى من المحقق الطوسي ( قدس سره ) فإنّه قابل للحمل على ما اخترناه ، فافهم جيداً .
قال العلامة المجلسي في مرآة العقول « 1 » : إنّ هذا المذهب الذي نسبوه إلى الحكما من أنّ العلة القريبة للفعل الاختياري إنّما هو العبد وقدرته ، لكن قدرته مخلوقة لله تعالى ، وإرادته حاصلة بالعلل المترتبة منه تعالى ، قول بعضهم ، وقال جمّ غفير منهم : لا مؤثر في الوجود إلا الله ، وموجد الأفعال هو الله سبحانه . . . إلى آخره .
تعقيب وتنقيد :
هذا القول - كقول الجهمية والأشعرية - ينافي العقاب من الله الحكيم العادل على الجرائم ، فلذا حاول أربابه تصحيح العقاب عليه ، وذكروا في بيانه وجهين :
الأول : ما ذكره المحقق الهروي في كفاية الأصول « 2 » : أنّ حس المؤاخذة والعقوبة إنّما يكون من تبعة بعده بعده عن سيده . . . فكما أنّه - أي التجرّي - يوجب البعد عنه كذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة ، فإنّه وإن لم يكن باختياره إلا أنّه بسوء سريرته وخبث باطنه ، بحسب نقصانه واقتضاء استعداده ذاتاً وإمكاناً . . .
وبالجلمة : تفاوت أفراد الإنسان في القرب منه - جل شأنه وعظمت كبريائه - والبعد عنه سبب لاختلافها في استحقاق الجنة ودرجاتها ، والنار ودركاتها ، وموجب لتفاوتها في نيل الشفاعة وعدمها ، وتفاوتها في ذلك بالآخرة يكون ذاتياً ، والذاتي لا يعلّل !
ثم قال : إن قلت : على هذا فلا فائدة في بعث الرسل وإنزال الكتب والوعظ والإنذار . قلت : ذلك لينتفع به من حسنت سريرته وطابت طينته ؛ لتكمل به نفسه . . . وليكون حجة على من ساءت سريرته وخبثت طينته . انتهى . وقد ذكر قريباً منه في موضعين آخرين من كتابه متناً وهامشاً .
أقول : العقاب على العمل المعلول لنقص الاستعداد الذاتي ظلم محض لا يقبله عقل أحد ، ولا يصير التكليف والوعد والوعيد حجة على مثله ، كما لا يصير حجة على الأربعة بانتزاع الزوجية عن نفسها ! بل هو من اللغو المحض .
وأمّا حديث ذاتية السعادة والشقاوة فسيأتي إبطاله إن شاء الله .
وبالجلمة : هذا الكلام بعد إثبات الحسن والقبح وإثبات عدل الله وحكمته لا يحتاج إلى
هامش
( 1 ) - 1 / 113 .
( 2 ) - حقائق الأصول 2 / 16 .