مراد » و « سرمايه إيمان » والمحدث الكاشاني في كتابه « الوافي » ، وغيرهما في غيرها ، وقال الأول : إنّه مذهب محقّقي علماء الإمامية وجمهور الحكماء .
وحيث إنّ تحقيق هذا القول منسوب إلى المحقق الطوسي ( قدس سره ) فلا بد من نقل كلامه « 1 » ، قال : لا شك أنّ عند الأسباب يجب الفعل ، وعند فقدانها يمتنع ، فالذي ينظر إلى الاءسباب الأوّل ويعلم أنّه ليست بقدرة الفاعل ولا بارداته يحكم بالجبر . وهو غير صحيح مطلقاً ؛ لأنّ السبب القريب للفعل وهو قدرته وإرادته ، والذي ينظر إلى السبب القريب يحكم بالاختيار . وهو أيضاً ليس بصحيح مطلقاً ؛ لأنّ الفعل لم يحصل بأسباب كلها مقدورة ومرادة ، والحق ما قاله بعضهم : لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين . . . إلى آخره .
أقول : فالمتحصّل : أنّ أفعال العبد واقعة بإرادة واختياره فلا يلزم الجبر ، ولكنّ إرادته وقدرته موجودتان فيه بإرادة الله تعالى ومستندتان إليها فلا يلزم التفويض .
فإن قلت : إذا كانت إرادة العبد - وهي العلة التامة لفعله - موجودة بإيجاده تعالى فلا محالة يكون الفعل غير اختياري ، ومجرد توسط الإرادة لا يثبت الاختيار .
قلت : الفعل الاختياري ما كان بإرادة الفاعل واختياره ، كما هو المفروض في هذا المذهب ، لا أن تكون الإرادة بالإرادة والاختيار بالاختيار ، فإنه غير لازم في مفهوم الاختيار ، كيف ولو كانت الإرادة أيضاً اختيارية لزم التسلسل ؟ هكذا أجابوا .
أقول : والحق أنّه لا فرق بينه وبين قول المجبّرة أصلًا ، فإنّ علة الفعل التامة - وهي الإرادة - إذا كانت غير اختيارية للفاعل ، بل كانت معلولة لأمور قهرية مستندة إلى إرادة الله تعالى الأزلية كان الفعل أيضاً غير اختياري لا محالة ، إلا أنّ يصطلح أحد في إطلاق كلمة الاختيار على هذا المعنى ولا نزاع معه ، غير أنّ كلامنا بحسب المعنى ونفس الأمر ، لا بلحاظ اللفظ .
وأمّا حديث التسلسل في الإرادات فقد عرفت هدم بنيانه وقلع أساسه . وبعبارة واضحة : إذا كان الفعل معلولًا للإرادة - أي الشوق المؤكد - يكون حال الفعل المزبور حال الارتعاش الحاصل من الخوف ؛ إذ كلّ من الخوف والشوق صفة نفسانية وعلة تامة للحركة في العضلات ، فينبثق من الأول ارتعاش البدن وصفرة الوجه ، ومن الثاني الضرب والأكل مثلًا ، فكيف صار أحد الفعلين اختيارياً يتعلق به الحسن والذم والتكليف والجزاء ، والآخر قهرياً اضطرارياً لا يتعلق به شئ ؟ ! وأنت إذا تأملت هذا الكلام تقطع بفساد هذا القول من دون حاجة إلى إطالة المقال .
هامش
( 1 ) - حكاه في مبحث إرادة الله من الأسفار . الطبعة القديمة .