تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
فالواجب الوجود هو الذي يبقي النفس ويعطيها القوة والمكنة والاقدار على إيجادها الأفعال ، بل الشوق الذي هو من مرجحات إرادتها وقصدها نحو الفعل مخلوق لله تعالى بلا مدخلية لاختيار النفس ، بل هي مجبولة ومفطورة على اشتياق ما يلائمها والتنفّر عمّا يزاحمها ، وإنّما للنفس - بإذن الله وإقداره وتمكينه - هو الاختيار في قصدها نحو الفعل وعدم قصدها نحوه ، فلها أن تفعل ، ولها أن لا تفعل ، ولكن إذا فعلت فعلت بقوة الله التي أعطاها . وعلى الجملة : الإنسان في أفعاله - سواء كانت صالحة كالصلاة والإحسان ، أو سيئة كالزنا والظلم وقتل ولي - محتاج إلى ربه في وجوده وفي علمه ، بأن يفيض عليه آناً فآناً بحيث لو أمسك فيضه لحظة لعدم وفنى ، ولم يكن شيئاً مذكوراً ! وللعبد القصد وإعمال هذه القدرة ، فلا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين الأمرين . أما عدم الجبر فلأنّ العبد مختار ، له أن يفعل ، وله أن لا يفعل ، وهذه صفة أعطاها الله الإنسان حتى يصح تكليفه بما يقتضي تكامله النفسي وارتقائه المعنوي . فالقصد يصدر عن النفس بتمكين من الله من غير صيرورته واجباً بالوجوب السابق ، كما دريت وجهه سابقاً ، وعليه فقد ظهر فائدة التكليف والوعد والوعيد والتربية واستحقاق الجزاء عند الله تعالى وعند الناس في نظامهم الاجتماعي . وأمّا عدم التفويض فلأنّ العبد محتاج إلى إمداده وإفاضته تعالى في وجوده وإبراز أفعاله في كلّ آن ، بحيث لولا تمكينه لما قدر على شيء أبداً ، وقد عرفت في الجزء الأول أن إرادته تعالى هي إحداثه وإعمال قدرته وإفاضته - وما شئت فعبر - فيثبت أنّ جميع الأشياء بإرادته تعالى ، حتى الأفعال الاختيارية للإنسان
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
لكن لا بمعنى أنّ الله يوجد عمل زيد - مثلًا - كما يوجد سواد لونه حتى يكون زيد مسلوب الاختيار ، بل بمعنى أنه تعالى يفيض عليه لأن يعمل باختياره ، وهذا هو الأمر بين الأمرين . ويصح لنا حينئذٍ أن نقول في مقام تنزيه الحق وعدله وحكمته : سبحان من تنزّه عن الفحشاء ، وأن نقول في مقام عظمته وقدرته وجبروته وسلطنته : سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء ، كما نطقت به الروايات المتقدمة أيضاً . وهم وإزاحة : بعد ما عرفت أنّ القصد قائم بالنفس قياماً صدورياً ، وأنّه صادر عنها بلا واسطة شيء أصلًا ، وأنّ قاعدة « ما لم يجب لم يوجد » غير جارية فيه وجداناً ، وأنّ الفعل وإن كان مترتباً عليه قهراً ،