المراد عنها ، لكنّ الشأن في تعلق إرادته بالأفعال الاختيارية فهذا التلفيق لا ينفعهم .
وإن شئت فقل : إنّ هذه الشبهة ظاهرة التناقض ؛ إذ مع فرض كون الأفعال أفعالًا اختيارية للإنسان أو غيره كيف تتعلّق بها إرادة الله تعالى ؟ فإنّ الفعل حينئذٍ فعل الله تعالى ، لا فعل غيره ، فهذه الشبهة نظير أن يقال : هل يمكن طلوع الشمس في الليل ؟ وهل يمكن النهار بلا طلوع الشمس ؟ وهل يمكن أن يخلق الله ابن زيد من غير زيد ؟ ! وأمثالها ، فقولهم : « لا مؤثر في الوجود إلا الله » كذب محض ، وحقّ القول : إنّه لا حول ولا قوة إلا بالله ، ولا موجود إلا والحق مؤثر فيه ، كما سيأتي في تفسير الأمر بين الأمرين إن شاء الله .
3 - من جهة الداعي ، فإنّ الفعل عند استواء الداعي إلى الفعل والترك ممتنع ، ضرورة تناقض الرجحان للاستواء ، وعند رجحان أحدهما يجب الراجح ويمتنع المرجوح .
أقول : وهو منقوض بأفعاله تعالى أولًا ، ومزيّف بأنّ الوجوب الناشئ من الاختيار لا ينافي الاختيار ثانياً .
واعلم أنّ الرازي افتتن واغترّ بهذا الوجه ، فكرّره في مواضع من تفسيره ، وزعم أنّه يعارض جميع أدلة الاختيار ! ونحن نقول له : ما ذا تعنى بالداعي والمرجح ؟ فإن أردت به الإرادة ، فقد أثبتنا أنّها اختيارية ، وإن أردت الشوق أو الاعتقاد بالنفع ، فقد قررنا أنّ الفعل غير مترتب عليه بلا توسط الإرادة ! ! لعن الله التعصّب والتكبّر فإنّهما يدخلان صاحبهما مواقع الهلكة .
4 - من ناحية التكليف بالمعرفة ، قالوا : التكليف واقع بمعرفة الله تعالى ، فإن كان في حال حصول المعرفة فهو تكليف بتحصيل الحاصل .
وإن كان في حال عدمها فغير العارف بالمكلف ( بالكسر ) وصفاته المحتاج إليها في صحة التكليف منه غافل عن التكليف ، وتكليف الغافل تكليف بالمحال .
أقول : وضعفه بيّن بعد التوجه إلى ما ذكرنا في مبحث وجوب النظر والمعرفة في أول الكتاب .
ولهم وجوه واهية أخرى تركناها مخافة ملالة القارئين الكرام ؛ وكون إبطالها من توضيح الواضحات .
فالجبر كالتفويض أمر فاسد يجب على العاقل اجتنابه ، بل هو أفحش من التفويض بالنسبة إلى الإحساس الوجداني والنظام الاجتماعي . نعم ، التفويض أقبح منه بالنسبة إلى سلطان ربّ العالمين ، فالأول إفراط ، والثاني تفريط .
الأول ينافي رحمة الحكيم العادل ، والثاني شوكة القادر الفعّال ، والأول تضييع للخلق ، والثاني توهين للحقّ ، فلا إلى الجبر ولا إلى التفويض ، أيها العاقل الرشيد ، بل إلى الأمر بين
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 200
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص٢٠٠