الانقلاب ، ولا مخرج عنهما لفعل العبد ، وأنّه يبطل الاختيار ، إذ لا قدرة على الواجب والممتنع ، فما لزمنا من بطلان التكليف ولواحقه في مسألة خلق الأفعال لزمكم في مسألة علم الله تعالى بالأشياء . قال الرازي : ولو اجتمع جملة العقلاء لم يقدروا على أن يوردوا على هذا الوجه حرفاً .
أقول : لكنّ هذا المسكين المغرور ما شعر أنه لو اجتمع الجنّ والإنس على تصحيحه لما قدروا عليه ، فإنّ العلم تابع للمعلوم في تعلقه ، فالعبد حيث يكون فاعلًا باختياره فعلًا خاصاً فيما لا يزال تعلق علمه تعالى به ، دون العكس ، وهذا كما نقول : طلعت الشمس فعلمناه ، ولا نقول : علمنا طلوع الشمس فطلعت ، وهذا واضح .
ثم نزيد ونقول إنّ الله تعالى كما علم أزلًا صدور الفعل منّا كذلك علم صدوره باختيارنا وإرادتنا ، وعلم تمكننا من تركه ، وعلم أنّ ترجيحنا جانب وجوده بمحض اختيارنا ، فلو فرض صدوره عنّا بالجبر للزم انقلاب علمه تعالى جهلًا ، وهو محال .
نعم ، ربما تقرّر الشبهة من جهة أنّ علمه فعلي ، والعلم الفعلي مؤثّر ، والمفروض أنّ كل ممكن معلوم لله تعالى .
وهذا التقرير أحسن من التقرير المتقدم ، لكنّنا أبطلنا أساس العلم الفعلي كما مرّ في الجزء الأوّل ، وعلى تقدير تسليمه فنقول : إنّه كما علم فعلنا علم تمكننا منه أيضاً فلا يبطل اختيارنا ، كيف ولو كان علمه الأزلي منافياً لاختيار العبد لكان منافياً لاختياره تعالى أيضاً ، وهذا ممّا لا يلتزم به الأشاعرة جهراً ، وإن كان إيجابه تعالى لازماً على قواعدهم قطعاً ، كما ذكرنا سابقاً ، وقد اعترف به الجرجاني أيضاً . وأمّا ما لفّقه ابن روزبهان في منع هذا النقض « 1 » فجدّ موهون ؛ فلذا تركنا ايراده .
2 - من جهة إرادته تعالى ، فإنّ ما أراد الهل وجوده فهو واقع قطعاً ، وما أراد الله عدمه فهو غير واقع قطعاً ، فلا قدرة لغيره تعالى ، وهذا معنى ما اشتهر بينهم تبعاً للصوفية من أنّه لا مؤثر في الوجود إلا الله .
أقول : والأولى تبديل الجملة الثانية : بأنّ ما لم يرد الله وجوده غير واقع ؛ لئلّا يقال : إنّه تعالى ما أراد وجوده ولا أراد عدمه ، وقد تقدم أنّ عدم العلة علة لعدم المعلول . لكنّه يزيّف بأنّه مصادرة محضة ! فإنّه مبنيّ على تعلق إرادته تعالى بكلّ شيء ، وهو هنا أول الكلام .
وعلى الجملة : لا شك في أنّ ما يتعلق به إرادة الله التكوينية يقع لا محالة ، ويستحيل تخلّف
هامش
( 1 ) - إحقاق الحقّ 2 / 117 .