تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
جريان القاعدة المذكورة في أفعاله ، فإنّ علمه بالمصلحة كاعتقادنا بالنفع وشوقنا إليه في عدم إيجاب الفعل والقصد ، فكما أنّ اعتقادنا واشتياقنا لا يوجبان قصدنا كذلك علمه تعالى بالأصلح لا يوجب فعله ، وهذا ظاهر ، ولا يخفى تحقق الاختيار له تعالى حينئذٍ في مترتبة من المراتب ، وهذا بخلاف جريانها في أفعال الممكن ، فإنّها وإن وجبت بعد القصد لكنّ القصد نفسه اختياري حدوثاً وبقاءً . هذا خلاصة كلامنا في تحقيق هذا المقام ، ونوصي القارئ الكريم بالتأمل حوله ، ولا ينكره بما يبدو له في أول النظر ، ليزلّ عن صراط الحق كما زلّ عنه أقوام ، والله الموفق . وإذا علمت ذلك فقد ظهر لك بطلان الشبهة الثالثة المذكورة ، فإن قولهم : « وذلك المرجح لا يكون من اختيار العبد ، وإلا لزم التسلسل في المرجحات » باطل الأساس ، إذا أريد بالمرجح الداعي أو الشوق - كما هو ظاهر جماعة منهم حيث يقولون : إنّ الدليل إلزامي للمعتزلة القائلة بامتناع الترجيح بلا مرجح - فقد دريت دراية كاملة عدم ترتب الفعل عليه . وإن أريد به الأعمّ منه ومن الإرادة - كما هو ظاهر القوشجي بل صريحه - فقد عرفت عدم لزوم الدول والتسلسل من القول باختيارية الإرادة ، والقصد أتمّ عرفان . ثم إنّ الشبهة المذكورة تنقض بأفعال الله سبحانه وتعالى ولجريانها فيها حرفياً ، مع أنّ الخصم لا يظهر الالتزام بإيجابه تعالى ، فيكون الدليل فاسداً . وأمّا دفع هذا النقض بإبداء الفرق بين إرادة الواجب والممكن ، حيث إنّ الثانية حادثة منتهية إلى إرادة يخلقها الله بلا اختيار من العبد دفعاً للتسلسل في الإرادات ، والثانية قديمة غير مفتقرة إلى إرادة أخرى كما عن الرازي ، فهو ضعيف ؛ لأنّ عدم استقلال العبد في إيجاد إرادته واستقلال الرب في إرادته غير مربوط بمسألة الاختيار والاضطرار ؛ إذ يقال : هل الواجب مع إرادته القديمة يمكنه الفعل والترك أم لا ؟ . . . إلى آخر الشبهة ، وأمّا الحديث التسلسل فقد عرفت بطلانه ، وعلى ضوء ذلك يسقط ما ذكره العضدي في مواقفه دفاعاً عن النقض المذكور ، فلاحظ . فظهر أنّ هذه الشبهات الواهية لا تقاوم الوجدان في حكمه باستناد أفعالنا إلى إرادتنا ، والقرآن في تشريعه وتكليفه وبيان ثوابه وعقابه ووعده ووعيده . نعم ، قالوا « 1 » : إنّ هذا الذي ذكر إن لزمنا من القول بالجبر فهو لازم لكم أيضاً لوجوه : 1 - من جهة علمه تعالى ، لأنّ ما علم الله عدمه من أفعاله العبد فهو ممتنع الصدور عن العبد ، وإلا جاز انقلاب العلم جهلًا ، وما علم الله وجوده فهو واجب الصدور عن العبد ، وإلا لجاز ذلك
هامش
( 1 ) - شرح المواقف 3 / 125 .