تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
وأمّا الثاني فما هو منه قهري الحصول فهو غير مرتبط بالقصد ، وأمّا ما هو اختياري منه حدوثاً أو بقاءً فهو يستند إلى الإرادة . فإن قلت : إذا كانت أجزاء الإرادة إرادية يلزم الدور أو التسلسل ؟ قلت : اللزم المذكور ممنوع ، فإنّ التصور والتفكر في إطعام زيد - مثلًا - مقدمة للإرادة التي تتعلق - بعد تحققها - بالإطعام المذكور ، ولكنّه معلول للقصد المتعقل بنفسه ، وهذا القصد مسبوق بالتصور واعتقاد النفع والشوق الارتكازية . بيان ذلك : أنّ الإنسان مفطور على حبّ ذاته ، ومجبول على حفظ كيانه ، وهذا ضروري ، ويتولّد من هذا الحبّ لزوم دفع الضرر وجلب المنفعة ، فالإنسان بحسب ارتكازه الفطري متوجّه نحو تحصيل سعادته وتكامله ، وحيث إنّ حصول السعادة ودفع المشقّة لا يتيسّران إلا بالتفكر والتدبر حول الأشياء وتمييز صالحها من فاسدها فهو يعتقد - اعتقاداً فطرياً - أنّ التفكر حسن فقهراً يشتاق إليه ثم يقصده ، فالقصد المذكور وإن كان اختيارياً - كما يأتي - لكنّ مقدماته غير اختيارية منتهية إلى خلق الواجب الحكيم ، فلا يلزم التسلسل والدور وعلى الجملة : إطعام زيد مستند إلى الإرادة وهي القصد ، والإرادة موقوفة على مقدماتها وهي تصور الإطعام واعتقاد نفعه والشوق إليه ، وهذا التصور والتفكر - في غير موارد اضطراره - أيضاً اختياري إرادي مستند إلى الإرادة المتعلقة به ، وهذه الإرادة مسبوقة بمقدماتها الارتكازية القهرية ، وحيث إنّها لا توجب الإرادة بل مقتضية إيّاها - كما يأتي - لا يخرج التدبر والتفكر المذكور عن الاختيار . وأمّا الثالث فهو كما عرفت أيضاً اختياري ، وليس الشوق علّة موجبة له ، بل للنفس القصد وعدمه ، والشوق المذكور مرجح له وليس بموجب ، فالقصد - أي الإرادة - وإن كان اختيارياً - أي للنفس تمكن من وجوده وعدمه - لكنّه ليس إرادياً ، وإلا لتسلسلت الإرادات ، ولا دليل على أنّ كل ما لم يكن مستنداً إلى الإرادة - ولو كان نفس الإرادة - كان اضطرارياً غير اختياري ؛ لما عرفت من أنّ الاختياري ما كان الفاعل متمكناً من فعله وتركه . فتحصّل : أنّ جميع الأفعال الجوانحية والجوارحية الاختيارية إرادية مسبوقة بالقصد ، وأمّا القصد نفسه فهو لا يستند إلى قصد وإرادة أخرى وإن كان اختيارياً ، بل هو فعل النفس . وممّا ذكرنا كله ظهر أنّ القاعدة القائلة : « إنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد » صحيحة حتى في الأفعال الاختيارية ؛ إذ بعد تحقق القصد تتحق حركة العضلات قهراً ، وإنّما الخارج عنها القصد نفسه ؛ لما عرفت من قضاء الوجدان على عدم إيجابه بالشوق وإن كان بالغا في التأكد غايته . ثمّ إنّ الواجب الوجود حيث لا يتصور في حقّه القصد - كما مرّ في مبحث الإرادة - لا يعقل