المذكور - كان اختيارياً فكذا الاعتقاد المذكور ، وربما يزول بالتدبّر حول ما يترتب على هذا النفع من عتاب العقلاء وعقاب الله تعالى ، فتأمل . وقد يكون حصوله قهرياً اضطرارياً .
وأمّا المقدمة الثالثة - أي الشوق - فترتّبها على اعتقاد النفع وعدمه على اعتقاد الضرر قهري ؛ فإنّ الإنسان مفطور على حبّ ما يلائمه وبغض ما ينافره .
نعم ، ربما يمكن إزالته كما قلنا في المقدمة الثانية ، وأمّا المقدمة الرابعة فهي اختيارية أبداً ، فإنّ الشوق مهما بلغ في تأكّده لا يضطرّ النفس إلى ارتكاب ما تشتقاق إليه إلا نادراً ، فحيئذٍ يكون الفعل اضطرارياً لا اختيارياً .
وبالجملة : القصد ( المعبّر عنه في لسان بعض الأكابر بالاختيار ) فعل النفس لها أن تقصد ، ولها لا تقصد ، ولا علّية للشوق في تحصيله ، كما عرفت وجهه مفصّلًا في بحث الإرادة في الجزء الأوّل . وأمّا حركة العضلات فهي تترتب على القصد المذكور ما لم يمنع عن الترتيب مانع أقوى ، فلا تتخلّف عنه ، وهذا الذي ذكرنا هو الموافق للوجدان ، كما يدركه كل من ترك العصبية والمكابرة ورجع إلى الحق وسبيله .
اشكال ودفع :
قالوا : الفعل الاختياري ما يستند إلى الإرادة ، فلا بد أن تكون الإرادة نفسها ومقدمتها غير اختيارية ، وإلا لزم مسبوقية كلّ إرادة أو مقدمة منها بإرادة سابقة ، فتسلسل الإرادات ، وهو محال .
أقول : هذه المعضلة قد استصعبها الباحثون ، عندي منحلّة بوجهين :
الأول : أنّ الإرادة لو لم تكن اختيارية - مع أنّها اختيارية وجداناً كما عرفت - لكانت الأفعال المرادية أيضاً غير اختيارية ؛ لعدم تخلّف المعلول عن العلة ، وحيث إنّ الاختيار في أفعالنا متحقق قطعاً بل مشهود وجداناً فتكون الإرادة أيضاً اختيارية ، وهذا جواب إجمالي .
الثاني : أنّ تفسير الفعل الاختياري بمسبوقيته بالإرادة كلام مشهوري لا دليل عليه ، بل الاختياري ما تمكن الفاعل من إيجاده وتركه ، وله أن يفعل ، وأن لا يفعل ، وعليه فلا إشكال في المقام ؛ إذ التدبر والتفكر والقصد كالأفعال الاختيارية الجوارحية بيد الفاعل فعلًا وتركاً بالوجدان ، وأمّا نفس هذا التمكن والاختيار ( أي فله ان يفعل وله الا يفعل ) فهو غير اختياري ، بل شيء قهري أوجده الله تعالى في العبد بمحض إرادته وحكمته ، فأين التسلسل أو الاضطرار ؟ !
وبكلمة أوضح بياناً : إنّ هاهنا أمورا ثلاثة : 1 - الأفعال الجوارحية . 2 - الأفعال الجوانحية التي تقع مقدمات للإرادة . 3 - القصد نفسه .
أمّا الأول فهو مستند إلى الإرادة - أعني القصد - وإلا يكن اضطرارياً .
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 196
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص١٩٦