تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
إذا تقرر هذا فاعلم أنّ المراد بالداعي في الاصطلاح هو المقدمة الثانية ، أعني بها اعتقاد النفع ، وهو في الواجب علمه بالمصلحة التي ذكرنا أنّها الغرض من فعله فيما مضى ، فالمخصّص والمرجّح لأفعاله تعالى هو علمه المتعلق بالأصلح ، والنفع المسمّى عندهم بالداعي ، وهو غير مسبوق بالتصور والتردّد ، ولا ملحوق بالشوق والقصد ؛ لاستحالة هذه الصفات على الواجب المجرد . ثمّ إنّ الصحيح : أنّ معنى الإرادة فينا هو القصد ، كما يتبادر منها ، ولذا لا يقال لمن أراد شيئاً : إنّه لم يقصده ، ولا لمن قصده : إنّه لم يرده . وأنت إذا أمعنت النظر في موارد استعمالاتها تجد صدق ما قلناه بوضوح ، وللباحثين في تفسيرها اختلاف عجيب ، فإنّ أقوالهم حوله - مع كون الإرادة وجدانية - متشتّتة جداً . فعن أكثر المعتزلة - وهو الظاهر من المحقق الطوسي ( قدس سره ) - أنّها الاعتقاد بالنفع . وعن بعضهم : أنّها ميل يتبع اعتقاد النفع ، وهو الشوق المفسّر يتوقان النفس إلى تحصيل شيء . وعن آخر : أنّها الشوق المتأكّد المؤدّي إلى حصول المراد ، إلى غير ذلك من الكلمات . وحق القول : إنّه لا مشاحّة في الاصطلاح والتسمية ، فلكل أحد أن يطلق لفظ « الإرادة » على كل ما يريد ، ولكن لو أرادوا من الإرادة ما يترتب عليه الفعل خارجاً كترتب المعلول على علّته التامة فشئ ممّا ذكروه غير تام . أمّا الاعتقاد بالنفع فتخلّف الفعل عنه ظاهر لا ستر عليه ؛ إذ كثيراً ما نعتقد النفع ، ولا نفعل وما اعتذر به المحقق اللاهيجي في شوارقه غير متين ، فلاحظ . وأمّا الشوق فمطلقه مثل الاعتقاد بالنفع كما لا يخفى ، وأمّا مرتبته الشديدة التي تؤدي إلى المراد فنقول : إنّ فرض تأديته إلى المراد بلا توسّط القصد فهو ممنوع وجداناً ، وإن ثبتت في مورد فالفعل فيه يكون اضطرارياً لا اختيارياً ، فلا ربط له بمحل البحث والكلام ، وإن فرض تأديته مع توسّط القصد فهو صحيح كما قلنا فيرجع إلى المختار . وقال في الأسفار ردّاً على التعريف الأخير : وفيه : أنّه قد يوجد الفعل بدون الشوق المتأكد ، كما في الأفعال العادية من تحريك الأعضاء وفرقعة الأصابع ، وكثير من الأفعال العبثية والجزافية ، وكما في تناول الأدوية البشعة وغيرها . وقد يتحقق الشوق المتأكد ولا يوجد الفعل ؛ لعدم الإرادة ، كما في المحرمات للرجل المتّقي الكثير الشهوة . انتهى كلامه . ثمّ إنّ المقدمة الأولى - وهي التصور - قهرية في الأغلب ، كما هي محسوسة ، وربما يكون رفعه اختيارياً ، كما إذا نام أصرف ذهنه إلى شيء آخر . وأمّا المقدمة الثانية - أعني الاعتقاد بالنفع أو الضرر - فهي ربّما تترتب على الأولى ، وربما لا تترتب ، بل يبقى الشخص متحيّراً شاكّاً ، وحيث إنّ استمرار التصور - وهو العلة للاعتقاد