نهج واحد فيما يفعله بلا روية في كلّ واحد واحد . . . إلى آخر ما أوضح المقام ايضاحاً تاماً ، فلاحظ .
ثم إنّ هذا الوجه لو تمّ لأبطل الكسب أيضاً ، فإنّ تعلق الاختيار بشيء والتهيّؤ لإيجاده لا يكون إلا بالعلم .
ثم نزيد ونقول : إنّ هذا البيان أقوى دليل على الاختيار ، فإنّ الفعل الجبري غير موقوف على العلم به كما اعترفوا به أيضاً ، ومن البديهي أنّ جملة من أفعالنا موقوفة على العلم ولو إجمالًا ، فيثبت أنّها تصدر عنّا بإرادتنا واختيارنا ، فافهم .
الثالثة : من ناحية المرجح ، وبيانه : أنّ العبد لو كان موجداً لفعله باختياره فلا بد أن يتمكن من فعله وتركه ، وإلا لم يكن مختاراً ، ولا بد أيضاً من أن يتوقف ترجيح فعله على تركه على مرجّح ؛ إذ لو لم يتوقف عليه كان صدور الفعل عنه مع جواز طرفيه وتساويهما اتفاقياً ، لا اختيارياً ، ويلزم أيضاً أن لا يحتاج وقوع أحد الجائزين إلى سبب فينسد باب إثبات الصانع ، وذلك المرجح لا يكون من اختيار العبد ، وإلا لزم التسلسل في المرجحات ، ويكون الفعل عند ذلك المرجح واجب الصدور ، وإلا لم يكن المرجح المذكور تمام المرجح ؛ لأنّه إذا لم يجب منه الفعل حينئذٍ جاز أن يوجد معه الفعل تارة ، ويعدم أخرى مع وجود ذلك المرجح فيهما ، فتخصيص أحد الوقتين بوجوده يحتاج إلى مرجح ؛ لما عرفت ، فلا يكون ما فرضناه مرجحاً ، مرجحاً تاماً ، هذا خلف ، وإذا كان الفعل « مع المرجح الذي ليس من العبد » واجباً عنه يكون اضطرارياً .
أقول : هذا الوجه ممّا زيّفه جملة من المجبّرة أنفسهم ، وسلّموا ما أجاب العدلية عنه ، فلا عبرة به ، غير أنّ توضيح بطلانه موقوف على ذكر مقدمات تنفعكّ في غير المقام أيضاً .
فنقول : إنّ ما يتوقف عليه الفعل الاختياري أمور :
1 - الالتفات إلى الفعل وتصوره .
2 - اعتقاد النفع فيه ، علماً أو ظنّاً أو احتماله .
3 - الشوارق إليه .
4 - القصد إليه « 1 » .
وحينما تحققت هذه المقدمات يترتب عليها حركة العضلات ، وهذه الحركة إذا نسبت إلى الفاعل إيجاد ، وإذا لو حظت إلى المفعول وجود .
هامش
( 1 ) - هذا الذي ذكرنا من المقدمات المترتبة بهذ الترتيب هو الذي تأدّى إليه نظري ، وللقوم في تعدادها وكيفيتها كلام طويل .