تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣

المقالة الثالثة : في إبطال شبه الجبريين

الأول : من ناحية القدرة ، وتقريرها : أنّ فعل العبد ممكن في نفسه ، وكلّ ممكن مقدور لله . ففعل العبد مقدور له ، ولا شيء ممّا هو مقدور لله بواقع بقدرة العبد ؛ لامتناع اجتماع قدرتين مؤثّرتين على مقدور واحد ، فأفعال العباد واقعة بقدرة الله وحده . أقول : القياس الأول قوي جداً ، لكن القياس الثاني فاسد قطعاً ، فإنّ القدرة عند المتكلمين هي صحة الفعل والترك كما مرّ بحثها في الجزء الأول ، فلا مانع من اجتماع ألف قدرة على مقدور واحد ، بل هو واقع خارجاً ، ولا يستند الأثر إلى القدرة ، وإلا لزم اجتماع النقيضين ، فإنّ القدرة بالنسبة إلى الفعل وتركه سواء ، وكلا طرفي الفعل مقدور ، فلا بد من وقوعهما معاً ، وللزم لغوية الإرادة أيضاً ، فهذه الشبهة سخيفة جداً . وتوصيف القدرة بالمؤثرة إنّما يصحّ بأخذ الإرادة معها ، فهو نوع من المغالطة وأمّا البحث من جهة عموم إرادته فسيأتي تفصيله قريباً . نعم ، يمكن أن تقرّر الشبهة من جهة قدرته تعالى على أصول الفلاسفة ، إلا أنّها فاسدة عندنا وعند البحريين . الثانية : من ناحية علم الفاعل بفعله ، قالوا : لو كان العبد موجداً لأفعاله بالاختيار لوجب أن يعلم تفاصيلها ، واللازم باطل ، فكذا الملزوم . بيان الملازمة : أنّ الأزيد والأنقص ممّا أتى به ممكن منه ، فوقوع ذلك المعين منه دون الأزيد والأنقص لأجل القصد إليه بخصوصه ، والاختيار المتعلق به وحده مشروط بالعلم به ، كما تشهد به البديهة ، فتفاصيل الأفعال الصادرة عنه باختياره لا بد أن تكون مقصودة معلومة له . وأمّا بطلان اللازم فلأنّ النائم والساهي قد يفعلان باختيارهما ، كما إذا انقلب النائم من جنب إلى جنب ولا يشعر بكمية ذلك الفعل وكيفية . أقول : وفساده واضح ، فإنّ الساهي والنائم - كما ذكرناه في مبحث علمه تعالى - ليسا بمختارين ، ضرورة عدم صدور فعلهما عن إرادة ، فالاستدلال باطل . والحق أنّه لا يحب العلم التفصيلي بالفعل الاختياري ، بل يكفيه العلم الإجمالي الارتكازي . قال ابن سينا في محكيّ الشفاء « 1 » : فتأمل حال الصناعة ، فإنّ الصناعة لا يشك في أنّها لغاية ، وإذا صارت ملكة لم يحتج في استعمالها إلى الروية ، وصارت بحيث إذا حضرت الروية تعذّرت وتبلّد الماهر فيها عن النفاذ فيما يزاوله ، كم يكتب أو يضرب بالعود فإنه إذا أخذ يروي في اختيار حرف حرف ، أو نغمة نغمة وأراد أن يقف على عددها تبلّد وتعطّل ، وإنّما يستمر على
هامش
( 1 ) - الشوارق 1 / 222 ، ومثله كلام صاحب الأسفار 2 / 257 .
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 193 | الشيخ محمد آصف المحسني